
أبريل 2026
الملخص التنفيذي
يدرس هذا التقرير أنماط النزوح لدى اللاجئين السوريين الذين وصلوا إلى لبنان في أعقاب سقوط نظام الأسد، استناداً إلى نتائج المراجعة المكتبية والمقابلات النوعية التي أُجريت مع اللاجئين السوريين، المعروفين بـ”الوافدين الجدد”، من خلفيات دينية متنوعة تشمل الدروز والمسيحيين والشيعة والعلويين والمرشدية وغيرهم. يستند التقرير إلى مقابلات معمّقة مع وافدين جدد من أقليات دينية متعددة وصلوا إلى لبنان بعد ديسمبر 2024، ويتناول كيف تُشكّل الهوية، بما تشمله من انتماء ديني وجغرافي وجنسي وتعرّض سابق للعنف، تجاربَ النزوح وتصورات السلامة وعملية اتخاذ القرارات المستقبلية. ويتحدى التقرير في هذا السياق افتراضات التجانس بين مجتمعات اللاجئين، ويبرز أهمية المقاربات الحساسة للهوية في البرامج الإنسانية والحماية والتخطيط للعودة. تُظهر النتائج أن أنماط النزوح الأخيرة التي أعقبت سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 مدفوعةٌ في جوهرها باعتبارات الحماية وترتبط ارتباطاً وثيقاً بمخاوف قائمة على الهوية، لا بالعوامل الاقتصادية وحدها. ويخلص هذا التقرير إلى أن الخوف من الاضطهاد، والانتقام، والاعتقال، ومصادرة الممتلكات هي الأسباب الرئيسية لمغادرة اللاجئين لسوريا، حيث وصف الكثيرون مغادرتهم بأنها كانت مفاجئة وغير مخطط لها، وتمت غالباً عبر معابر حدودية غير نظامية بدافع الاستعجال ونقص الوثائق الثبوتية. ويضاف إلى ذلك هشاشة الوضع القانوني غير المستقر في لبنان وضيق سبل الحصول على الإقامة.
يسلط التحليل الضوء على كيفية تباين تجارب النزوح وتصورات الأمان بشكل كبير بين المجتمعات المختلفة. فبينما يُشير بعض الوافدين إلى شعورهم بالأمان النسبي في لبنان، يعيش آخرون حالةً من انعدام الأمن مرتبطة بأوضاعهم القانونية والمعاناة الاقتصادية والتوترات بين المجتمعات المحلية. كما تكشف أنماط الاستقرار عن ميلٍ واضح نحو التجمع مع أبناء الدين الواحد، وهو ما يعكس احتياجات الحماية واستراتيجيات التماسك الاجتماعي في آنٍ واحد. من المهم الإشارة إلى أن النتائج تؤكد أن معظم المشاركين بالمقابلات لا ينوون العودة إلى سوريا في المدى القريب، مشيرين الى استمرار المخاوف على سلامتهم. تتشكل تصورات المخاطر بناءً على الهوية الدينية، والأصل الجغرافي، والتجارب السابقة مع العنف. تتحدى هذه المخاطر المتباينة السرديات السياسية التي تصور سوريا كبيئة آمنة بشكل موحد، كما تؤكد على الحاجة إلى تبني نُهج دقيقة ومبنية على الأدلة. يخلص التقرير إلى أن أطر العودة والاستجابات الإنسانية يجب أن تكون حساسة تجاه المخاطر المتفاوتة، وأن تستند إلى الواقع الذي تواجهه مجتمعات الأقليات. كما يجب أن تكفل هذه الأطر أن تكون أي عودة مستقبلية طوعيةً وآمنةً وكريمة، عبر معالجة التحديات القانونية وقضايا الحماية والتماسك الاجتماعي في لبنان، مع الإقرار بالمشهد المعقّد وغير المتكافئ للمخاطر داخل سوريا.
المنهجية
يعتمد هذا التقرير النوعي على بيانات جُمعت عبر مقابلات مع 12 لاجئاً سورياً، يُعرفون بـ”الوافدين الجدد”، وصلوا إلى لبنان بين ديسمبر 2024 ومطلع عام 2026. صُمّمت العيّنة بصورة هادفة لتعكس التنوع الديني بين الأقليات، وتضمّنت مشاركَين من الدروز ومثلهم من المسيحيين وأربعة من العلويين واثنين من أتباع المذهب المرشدي، فضلاً عن مشارك واحد من المسلمين السنة. وشملت المقابلات مشاركين من الجنسين في جميع الفئات الممثّلة. تعكس النتائج تصورات وتجارب أفراد هذه الأقليات الدينية؛ غير أنه لا يجوز تأويلها باعتبارها تمثيلاً لمواقف المجتمعات الدينية بأسرها، بل هي رؤى مستقاة من عيّنة محدودة وخاصة. طُلب من المشاركين استعراض أوضاعهم في سوريا قبل النزوح وأسباب المغادرة، وتجاربهم بعد الوصول إلى لبنان، واستراتيجيات التكيّف التي اعتمدوها، وتصوراتهم حول إمكانية العودة. أُجريت المقابلات عن بُعد باللغة العربية، بصورة سرية عبر قنوات اتصال آمنة، ضماناً لحماية هويات المشاركين ومعلوماتهم الشخصية.
مقدمة
شكّل سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 تحوّلاً سياسياً كبيراً في سوريا بعد أكثر من أربعة عشر عاماً من النزاع. وعلى الرغم من موجات العودة الجماعية للاجئين التي أعقبت هذا التحوّل، كشفت مستجدات عام 2025 عن تحديات مستمرة لم تُفضِ إلى تحسّن ملموس في ظروف الأمان والاستقرار لجميع السوريين، بل ظلّت حالات انعدام الأمن المحلي وتحولات موازين القوى والعنف الطائفي المتكرر تدفع نحو مزيد من النزوح، بما في ذلك موجات لجوء جديدة إلى لبنان. كثيراً ما يتعامل الخطاب العام والسياسي مع اللاجئين السوريين باعتبارهم فئة متجانسة، لا سيما في نقاشات العودة. ومع ذلك، تشير الأدلة الواردة في تقرير حديث صادر عن منظمة ‘أوبينيون’ (Upinion) إلى أن انعدام الأمن، والعنف الطائفي، والتهديدات المستهدفة لا تزال تمثل الدوافع الرئيسية للنزوح،[1] إذ أفادت غالبية الوافدين الجدد بمغادرتهم سوريا هرباً من العنف أو الانتقام المرتبط بهوياتهم الطائفية، جنباً إلى جنب مع المخاوف من الاحتجاز والاضطهاد ومصادرة الممتلكات. وتؤكد التقييمات الإنسانية التكميلية المنجزة في لبنان خلال الفترة ذاتها أن انعدام الأمن والاضطهاد والتهديدات الموجّهة لا تزال تمثّل الأسباب الرئيسية للنزوح، ولا سيما لمن يفرّون من التوترات في منطقة الساحل وغيرها من المناطق التي تقطنها الأقليات.[2] علاوةً على ذلك، وثّقت جهات الحماية في لبنان، خلال اجتماعات داخلية، تصاعداً في الاحتياجات المتعلقة بمسارات الإقامة القانونية، مما يعكس هشاشة أوضاع الوافدين الجدد الذين دخلوا بطرق غير نظامية ويواجهون اليوم وضعاً قانونياً هشاً. كما وثّقت التقارير حالات وصول أطفال غير مصحوبين بذويهم إلى لبنان في حين بقي بعض أفراد أسرهم في سوريا للحفاظ على الممتلكات من السرقة أو الاحتلال، مما يسلط الضوء على استراتيجيات البقاء المعقّدة التي تُعتمد في ظل ظروف انعدام الأمن.[3] يُقدّم تقرير مركز وصول لحقوق الإنسان السياق الأوسع لأوضاع الوافدين الجدد من خلال منظور الأقليات الدينية المختلفة، مُبرزاً كيف تتباين تجارب النزوح وأوجه الضعف بحسب الهوية.
طوال عام 2025، تصاعدت حوادث أمنية جسيمة وكثّفت المخاوف لدى مجتمعات الأقليات الدينية. ففي مناطق الساحل، تسبّبت موجة العنف الانتقامي المرتبطة بتحولات السيطرة في موجة نزوح واسعة في مارس [4]2025؛ وبحسب بعض التقارير، أسفر هذا التصعيد عن نزوح نحو 51,000 شخص.[5] وفي يوليو 2025، أفضت اشتباكات مسلحة في السويداء -ذات الغالبية الدرزية- إلى سقوط ضحايا مدنيين وحالات إعدام خارج نطاق القضاء ونهب واسع، مما أطلق موجة نزوح قسري هائلة، إذ تشير بعض التقارير الإنسانية إلى نزوح ما لا يقل عن 176,000 شخص من منازلهم.[6]
وقد رافقت هذه الأحداث حالات اختطاف وهجمات على المواقع الدينية وتقارير عن اختفاء قسري وعنف قائم على النوع الاجتماعي ضد النساء والفتيات، ولا سيما في المجتمع العلوي، حيث وثّقت التقارير اختطاف ما لا يقل عن 38 امرأة وفتاة علوية في محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة وحمص ودمشق وحلب.[7] وقد أثّرت كل هذه التطورات في اتجاهات النزوح وتصورات مخاطر العودة.
أفاد المستجيبون من كافة المجموعات التي شملتها المقابلات، من الدروز والمسيحيين والشيعة والعلويين والمرشدية، بأن النزوح كان مدفوعاً بشكل ثابت بهواجس الحماية ومرتبط ارتباطاً وثيقاً بتهديدات حقيقية ومتصوَّرة تستهدف الهوية. وأفاد كثيرون برحيل مفاجئ وعبور لمعابر حدودية غير نظامية وتخلٍّ عن ممتلكاتهم وسبل معيشتهم. وأكد المستجيبون من الشيعة والعلويين مخاوف مرتبطة بهويتهم وانتماءاتهم المتصوَّرة، فيما أبرز المشاركون المسيحيون قلقهم إزاء الاعتداءات على المواقع الدينية. استقر الوافدون الجدد في عكار وبعلبك الهرمل وغيرها من مناطق جبل لبنان، حيث يسعون عادةً للانضمام إلى مجتمعات تشاركهم الانتماء الديني. تعكس هذه الأنماط السكنية بحثاً عن الأمان -إذ يُنظر إلى المجتمعات الدينية المشتركة باعتبارها أكثر أماناً من غيرها- فضلاً عن كونها استراتيجية للتماسك الاجتماعي، حيث يعتمد الوافدون الجدد على الشبكات المجتمعية للحصول على الثقة والحماية والشعور بالانتماء.
عوامل النزوح في مرحلة ما بعد نظام الأسد
العنف والاضطهاد
تُشير نتائج المقابلات إلى أن أنماط النزوح في صفوف الوافدين الجدد من الأقليات الدينية، في مرحلة ما بعد نظام الأسد، تتشكّل من خلال تضافر العنف الطائفي واسع النطاق والانتقام المحلي وتصورات اللوم الجماعي مع المخاوف من العنف الانتقامي. تتباين هذه الديناميكيات بين المجتمعات، غير أنها تشير جميعها بثبات إلى التحديات البنيوية للبيئة الأمنية المجزّأة والمخاطر المرتبطة بالهوية بوصفها المحركات المركزية للنزوح. على الصعيد المحلي، أسهمت التوترات المرتبطة بحركات العودة في توليد أشكال جديدة من انعدام الأمن. فقد وصف أحد المُقابَلين من قرية مسيحية في ريف محافظة حمص كيف أثارت عودة المهجّرين إلى مناطق مثل القصير عدائيةً تجاه من بقوا. وأفاد العائدون، إضافةً إلى ما واجهوه من دمارٍ في الممتلكات وشحٍّ في الخدمات، بأنهم قد حُمِّلوا المسؤولية من قبل السكان بسبب حيادهم المزعوم أو عدم انخراطهم في أنشطة المعارضة. وكما أوضح المُقابَل: “بدأنا نسمع اتهامات من قبيل: أنتم من أبناء النظام… لم تقاتلوا معنا… أنتم خونة”. أسهم هذا التوصيم في الإقصاء الاجتماعي والتهديد والخوف من الانتقام، ولا سيما لمجتمعات الأقليات التي يُنظر إليها على أنها موالية للنظام السابق. وقد شكّل العنف الواسع النطاق محركاً رئيسياً للنزوح، لا سيما بالنسبة للمجتمعات الدرزية. ففي محافظة السويداء، تحوّلت الاشتباكات التي اندلعت في يوليو 2025 بين الفصائل المسلحة الدرزية والمقاتلين البدو وقوات الحكومة إلى انتهاكات جسيمة ضد المدنيين. وقد وثقت التقارير عمليات إعدام ميدانية، وحالات اختطاف، وتدمير للممتلكات، ونزوحاً جماعياً؛ حيث سُجلت ما لا يقل عن 86 عملية قتل غير مشروعة، ونزوح ما يقدر بنحو 187,000 شخص خلال أسابيع قليلة.[8] وأكد المُقابَلون أن هذه الأحداث عمّقت مخاوف الاستهداف الطائفي وغياب الحماية الموثوقة. وقال أحد المستجيبين: “لم نعد قادرين على الذهاب إلى الجامعة؛ فأي شخص من السويداء يحاول ذلك يخاطر بالضرب أو حتى لإطلاق النار عليه. كان الناس من حولنا يعاملوننا كمجرمين لمجرد أننا دروز ورافضون للنظام الجديد الذي لا نثق به”. فضلاً عن العنف المباشر، أشار المشاركون الدروز إلى القيود المفروضة على التنقل والمخاطر التي تهددهم على طول طرق التنقل، ولا سيما بين السويداء والمناطق المجاورة كدرعا، مما حدّ من إمكانية الوصول إلى التعليم وفرص كسب الرزق. في المنطقة الساحلية السورية، ولا سيما في اللاذقية وطرطوس، أفادت المجتمعات العلوية بتعرّضها لعنف واسع النطاق تمثّل في عمليات قتل جماعية وانتقام وتهجير قسري. ووُصفت الحوادث التي وقعت مطلع عام 2025 بأنها “مجازر طائفية”، مع الإبلاغ عن نحو 1,400 حالة وفاة غالبيتها في صفوف المدنيين.[9] سلط المشاركون في المقابلات الضوء على أن العلويين كثيراً ما استُهدفوا على خلفية انتمائهم المزعوم للنظام السابق، بصرف النظر عن مشاركتهم الفعلية فيه. وكما أوضح أحد المستجيبين: “لم نكن آمنين في أي مكان. كانت بعض المناطق تُستهدف فقط لأنها علوية، وفي بعض الاحيان كان مجرد الخروج من المنزل يُعدّ أمراً خطيراً. كانت الأسر أمام خيارين: إما المخاطرة بالأرواح أو التخلي عن كل شيء.”
تُجسّد الشهادات الفردية كيف تُشكّل الهوية الطائفية والديناميكيات المجتمعية قرارات النزوح بصورة مباشرة. فقد وصفت إحدى النساء العلويات مداهمة شُنّت على منزل عائلتها من قِبل مسلحين يرتدون زيّاً كُتب عليه “أمن”، رافقهم مدني يُشير إلى هويات السكان الطائفية. ووفق روايتها، تنقّلت المجموعة عبر الحي مُحدّدةً المنازل بحسب الطائفة: “مسيحي”، “علوي”، أو” خالٍ”. وخلال المداهمة، خضع أفراد العائلة لاستجواب حول هويتهم وأُنذروا بإخفائها: “إذا سألك أحد، قولوا إنكم سنّة”. وتضمّن الحادث تهديدات وإطلاق نار وسَوْق شباب من المبنى. وتذكر المُقابَلة: “سمعنا المسلحين يسحبون شاباً وأحدهم يقول للآخر: أنت تعرف ماذا تفعل به”. وقد أطلق المهاجمون النار على القفل لاقتحام المنزل، وكرّروا الاستجواب حول طائفة العائلة، وقد هدد أحد المعتدين صراحةً قائلاً: “أريد علويّاً الآن لكي أذبحه”. وأفضى وجود مخبرين مع الاستهداف القائم على الهوية والعنف العشوائي إلى شعور حاد بالخطر ما دفع العائلة إلى الفرار.
رصدت أنماط مشابهة من انعدام الأمن بين الأقليات الصغيرة، بما فيها مجتمعات المرشدية في المناطق الساحلية قرب القرداحة. وأفاد المُقابَلون بعمليات اعتقال جماعية وحالات اختفاء قسري واحتجازات طالت مدنيين مِنْ مَنْ ليس لهم أي صلة بالنزاع. وكانت الاعتقالات تجري في مجموعات، إذ يُحتجز 20-30 شخصاً في المرة الواحدة، وقُتل بعضهم لاحقاً. وامتد الخوف المرتبط بهذه الممارسات إلى ذوي المعتقلين الذين يخاطرون بالاحتجاز بمجرد اقدامهم على البحث عن أقاربهم المفقودين. أدّى هذا المناخ من الغموض وانعدام الأمن إلى فرار عائلات بأكملها.وصف أحد المُقابَلين من أبناء أقلية المرشدية أن عائلته، رغم خلوّها من أي ارتباط بالمؤسسات الأمنية أو العسكرية، كانت تعيش في خوف مستمر جرّاء مداهمات يشنّها الأمن العام والجيش وجماعات مسلحة مجهولة تتصرف باسم الدولة. واتّخذت هذه العمليات طابعاً طائفياً متصاعداً، ولا سيما في اللاذقية وطرطوس، حيث كانت تستهدف مجتمعات العلويين والمرشدية. واستذكر قائلاً: “شعرنا بخوف شديد وقررنا المغادرة لأننا لم نعد نشعر بالأمان، ولم يكن ثمة أي وضوح للمستقبل.” كما أكد المشارك في المقابلة على غياب الحماية المؤسساتية: “نطالب بإيقاف الاعتقالات التعسفية، وبألية واضحة لمحاسبة المرتكبين وضمانات للأمن والسلامة، كما نحتاج إلى عودة الحياة الاقتصادية واستئناف الناس لعملهم، لأن الاستقرار والرزق ضرورة لا غنى عنها للشعور بالأمان.” وقد أفاد المشاركون من الطائفة الشيعية بأنهم يتعرضون لمخاطر مماثلة مرتبطة بالاستهداف الطائفي والإقصاء الاجتماعي. ووصف كثيرون منهم وصمَهم بـ”الفلول”، وهو مصطلح يُطلق على من يُنظر إليهم على أنهم مرتبطون بالنظام السابق، مما عرّضهم للتهديد من الجهات المسلحة والمجتمعات المحلية. وفي بعض الأحيان، طُبّق هذا الوصف على المدنيين الذين بدا أنهم لا يقبلون النظام السياسي الجديد، مما أذكى مخاوف الانتقام وحدّ من قدرتهم على التنقل بحرية أو الحصول على الخدمات. في المراكز الحضرية كدمشق، وصف المشاركون المسيحيون تصاعداً في التوترات الطائفية في أعقاب انهيار بنى الدولة، وتضمّنت تجاربهم تمييزاً في بيئة العمل وإقصاءً اجتماعياً ومعاناة نفسية ناجمة عن خطاب موجَّه ضد المسيحيين. وقال أحدهم: “قبل سقوط النظام، لم نشعر قط بأي توتر طائفي. أما بعده، فقد بات الناس يتكلمون عن المسيحيين كأننا مسؤولون عمّا جرى.” عمّقت الاعتداءات البارزة على المواقع الدينية هذه المخاوف، بما في ذلك هجوم انتحاري استهدف كنيسةً في يونيو 2025 وأسفر عن سقوط عشرات الضحايا. [10]تقاطعت الهوية مع النوع الاجتماعي لدى كافة المجموعات؛ حيث أفادت النساء من مجتمعات الأقليات، كالعلويين والمسيحيين، بمخاوف متزايدة من التحرش والاختطاف والزواج القسري. وقد ساهمت الحالات الموثقة للاختطاف والعنف الذي استهدف النساء في فرض قيود على حرية التنقل وزيادة الضغوط للمغادرة..[11] وقد تضافرت هذه المخاطر المرتبطة بالجندر مع الأنماط الأوسع لانعدام الأمن وكان لها دور محوري في قرارات النزوح. كذلك تضافرت عوامل هيكلية أوسع لتفاقم هذه المخاطر، إذ وصف المُقابَلون تزايداً في إجراءات التأمين على مداخل القرى والمدن، شملت قيوداً على الحركة وأوامر حظر التجوال ومراقبة من قِبل فاعلين أمنيين جدد. وبينما لم تُوصف هذه الإجراءات دائماً بأنها انتهاك مباشر، فإنها أسهمت في تكريس الشعور بالانحصار وضيق الخيارات الأمنية. وزاد على ذلك أن انتشار الأسلحة وبروز سلطات محلية معيّنة ذاتياً أسهما في زعزعة استقرار المجتمعات، حيث ادّعى أفراد وجماعات التصرف “باسم الدولة”، مستخدمين اتهامات الخيانة أو الانتماء الطائفي ذريعةً للترهيب والعنف. وفي بعض الحالات، جرت عمليات قتل موجّهة نفّذها مسلحون مجهولو الهوية في الأماكن العامة قبل فرارهم[12]. تسلط هذه الأنماط الضوء على الدور المحوري الذي تؤديه الجهات الفاعلة غير الحكومية والديناميكيات على مستوى المجتمع المحلي في تشكيل مسار النزوح.
بصورة عامة، تُظهر النتائج أن النزوح بين المجتمعات ذات الأقليات الدينية في سوريا تحركه مجموعة من العوامل المتعددة والمتداخلة، بما في ذلك العنف الطائفي واسع النطاق، وأعمال الانتقام المحلية، والاستهداف القائم على الهوية، والمخاطر الخاصة بالنوع الاجتماعي وفي حين تختلف أنماط العنف والهشاشة بين المجموعات—إذ يواجه الدروز نزوحًا جماعيًا مرتبطًا باشتباكات إقليمية، ويتعرض العلويون والشيعة لوصم جماعي وأعمال انتقامية، ويواجه المسيحيون تصاعدًا في الطائفية في المناطق الحضرية، بينما تتعرض الأقليات الأصغر للاحتجاز التعسفي ,فإن العامل الأساسي الكامن يتمثل في إدراك مشترك بانعدام الأمن وغياب الحماية .وتُعد هذه الأنماط المتمايزة للمخاطر عنصرًا حاسمًا لفهم ديناميات النزوح، ولضمان أن تكون أي عمليات عودة مستقبلية طوعية وآمنة ومراعية لمواطن الهشاشة الخاصة التي تواجهها المجتمعات ذات الأقليات.
العوامل المؤسساتية والاجتماعية الاقتصادية
بالإضافة إلى العنف المباشر والاضطهاد، أدّى تدهور الأوضاع الاجتماعية الاقتصادية وضعف المؤسسات دوراً محورياً في تغذية النزوح لدى مجتمعات الأقليات الدينية. وتُشير نتائج المقابلات إلى أن الضائقة الاقتصادية وانعدام الأمن ليسا عاملين منفصلَين، بل هما متشابكان تشابكاً وثيقًا مع التمييز القائم على الهوية.
عبر المقابلات، وصف المستجيبون تراجعًا حادًا في الأوضاع الاقتصادية عقب سقوط نظام الأسد. فقد أدت البطالة الواسعة النطاق، وفقدان الدخل المستقر، وارتفاع تكاليف المعيشة إلى تقليص قدرة الأسر بشكل كبير على تلبية احتياجاتها الأساسية، بما في ذلك الغذاء، والإيجار، والرعاية الصحية. وبالنسبة للكثيرين، لم تكن هذه الضغوط نتيجة الانهيار الاقتصادي العام فحسب، بل تفاقمت أيضًا بسبب الممارسات الإقصائية المرتبطة بالهوية الطائفية. برز عدم الاستقرار الوظيفي كعامل رئيسي في دفع النزوح، لا سيما بين المشاركين العلويين الذين كانوا ممثلين بشكل غير متناسب في المؤسسات الحكومية سابقًا، مما جعلهم يشعرون بتأثير أكبر بفعل الطرد من الوظيفة المستهدف. وقد وصف عدد من المشاركين فقدانهم لمناصب طويلة دون أي تعويض، وغالبًا ما تم استبدالهم بأفراد يُنظر إليهم على أنهم مرتبطون بالفاعلين المحليين المسيطرين أو الجماعات المسلحة. كما ذكر أحد المشاركين: “أُجبرنا على ترك وظائفنا لمجرد أننا علويون. تم فصل زوجي، الذي عمل لمدة 21 عامًا، دون أي تعويض، وأخذ الآخرون منزلنا وأرضنا. لم يكن هناك من يلجأ إليه، ولا حماية من الجماعات المسلحة أو السلطات”. وبالمثل، وصف المشاركون في المناطق الحضرية مثل دمشق تصاعد التمييز في أماكن العمل والإقصاء الاجتماعي، لا سيما بين المجتمعات المسيحية والعلوية. وشملت هذه التجارب التحرش اللفظي، والمعاملة غير المتساوية، والحواجز الضمنية أمام التوظيف، ما ساهم في شعور أوسع بالتهميش.
وبناءً عليه، تعتبر العوامل الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية جوهرية لفهم ديناميات النزوح. وتعكس هذه التجارب كيف يرتبط التهميش الاقتصادي ارتباطًا وثيقًا بأنماط أوسع من العقاب الجماعي والإقصاء، وتشكل تصورات الأمان لدى الأفراد.
تفاقمت حالة انعدام الأمان في أماكن العمل بسبب وجود الفاعلين المسلحين وتدخلهم. فقد وصف أحد موظفي البنك السابقين كيف دخلت الجماعات المسلحة مكان عمله وطالبت بالوصول إلى أنظمة المراقبة بحجة التحقيقات الأمنية، مما أثار الخوف بين الموظفين. كما برزت الانتهاكات المتعلقة بالممتلكات كعامل مهم يؤثر في قرارات النزوح. فقد أفاد المستجيبون من عدة مجتمعات، بما في ذلك العلويون والمسيحيون والشيعة، بمصادرة أو نهب أو احتلال المنازل والأراضي والأعمال التجارية على يد الفاعلين المسلحين أو الجماعات المحلية. وفي كثير من الحالات، حدثت هذه الإجراءات دون أي إجراءات قانونية رسمية أو إمكانية للتعويض. وقد أدى تدمير الأراضي الزراعية والأصول الإنتاجية إلى تآكل سبل العيش، لا سيما في المناطق الريفية، مما ترك الأسر دون مصادر دخل مستدامة.
كان ضعف الضمانات المؤسسية موضوعًا متكررًا في جميع المقابلات، حيث شدد المشاركون على غياب الحوكمة الفعّالة، والمساءلة، والوصول إلى العدالة. غالبًا ما كانت الشكاوى المتعلقة بالتهديدات أو التحرش أو مصادرة الممتلكات تُتجاهل، وفي بعض الحالات كان اللجوء إلى الإجراءات القانونية يُنظر إليه على أنه محفوف بالمخاطر بسبب الخوف من الانتقام، مما عزز التصور بأن الحماية غير متاحة ولا يمكن تحقيقها بالنسبة للمجموعات ذات الأقليات. في مناطق مثل محافظة السويداء، تقاطعت الضغوط الاقتصادية مع حالة انعدام الأمان لتقييد الوصول إلى التعليم والخدمات العامة. فقد أفاد طلاب الجامعات بعدم قدرتهم على حضور المحاضرات بسبب التهديدات والتحرش والمخاطر على طرق النقل، خصوصًا في المناطق المجاورة مثل درعا. وقد أثر هذا الانقطاع في التعليم ليس فقط على السلامة الفورية، بل وأضعف أيضًا الفرص الطويلة الأمد، مما عزز قرارات الرحيل. إن الحرمان الاقتصادي، وفقدان سبل العيش، وانعدام أمان الممتلكات، إلى جانب ضعف الحوكمة، وغياب الحماية القانونية، والممارسات التمييزية، خلقت ظروفًا جعلت العديد من الأقليات يعتبرون البقاء في سوريا غير قابل للاستمرار. وعندما تتضافر هذه العوامل مع المخاوف القائمة من العنف والاضطهاد، فإنها تسرّع بشكل كبير من قرارات الفرار وتشكل التصورات طويلة الأمد بشأن العودة.
التحديات في لبنان
التحديات القانونية والأثر الإنساني
تخضع إقامة الرعايا الأجانب في لبنان بصورة عامة لأحكام قانون تنظيم الدخول إلى لبنان والإقامة فيه والخروج منه الصادر في 10 يوليو 1962، الذي يرسي الإطار العام للإقامة القانونية. بيد أن التطبيق الفعلي لهذا القانون يظل رهيناً بالسلطة التقديرية الإدارية، التي تُمارَس عبر تعميمات تصدرها المديرية العامة للأمن العام. وتستلزم تصاريح الإقامة عادةً توافر إحدى الحالات التالية: الكفالة الوظيفية وفق نظام الكفالة، أو التسجيل في مؤسسة تعليمية معتمدة، أو التسجيل لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ضمن شروط محددة للحصول على وضع اللاجئ الرسمي.
وثمة فارق جوهري بين اللاجئين السوريين الذين وصلوا إلى لبنان منذ عام 2011 والوافدين الجدد: فبينما تمكّن الأوائل في بداية الأزمة من التسجيل لدى المفوضية، جرى تعليق هذا الإجراء منذ عام 2015 إثر مراجعة الحكومة اللبنانية لإجراءات الإقامة الخاصة باللاجئين السوريين، حيث تحوّلت السياسات نحو الحدّ من أعداد السوريين في لبنان وتقييد الوافدين الجدد. وبالتالي، أُفيد بتعليق تسجيل اللاجئين السوريين لدى المفوضية،[13] مما يعني حرمان الوافدين الجدد، بمن فيهم أولئك الذين وصلوا في موجة 2024–2026، كلياً من التسجيل وبقائهم دون صفة “اللاجئ” ووثائق الهوية التي يحملها الوافدون السابقون. وكما أشار أحد المشاركين في الاستطلاع: “تواصلنا مع المفوضية لكن لم يكن ثمة رد لفترة طويلة. وحين جاء الرد، أُبلغنا بأن الحكومة اللبنانية لا تسمح بتسجيل لاجئين جدد.” يُضاف إلى ذلك أن لبنان لم يصادق على اتفاقية اللاجئين لعام 1951 ولا على بروتوكولها لعام 1967، ويعتمد في المقام الأول على تشريعاته المحلية إطاراً قانونياً يحكم وجود أي مواطن أجنبي على أراضيه بصرف النظر عن ظروفه. غير أن لبنان يظل ملتزماً بالتزامات دولية أخرى، وهي: مبدأ عدم الإعادة القسرية بموجب القانون الدولي العرفي الذي يحظر إعادة الأفراد قسراً إلى بلد يتعرض فيه للخطر، واتفاقية مناهضة التعذيب التي تحظر ترحيل الأفراد إلى بلد قد يتعرضون فيه للتعذيب،[14] والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي يكفل “الحق في الحياة” و”الحرية من الاعتقال التعسفي” لجميع الأشخاص الموجودين على الأراضي اللبنانية بصرف النظر عن وضعهم القانوني[15].بناءً على ذلك، يبقى الوضع القانوني لكثير من اللاجئين، بمن فيهم الوافدون الجدد، رهيناً بالقوانين اللبنانية والتعاميم الإدارية الصادرة عن المديرية العامة للأمن العام. ونتيجة لذلك، فإن الحفاظ على وضع قانوني ساري المفعول يتطلب الامتثال لمعايير قانونية تزداد صرامةً. يؤثر هذا الوضع القانوني غير المستقر بشكل مباشر على الحياة اليومية، كما يتضح من الشهادات التالية: “حقوقي المدنية هنا محدودة للغاية لأن وجودي في لبنان غير قانوني… أمكث في المنزل معظم الوقت وأتجنب التنقل كي لا أقع في مشكلة.” وبالمثل أوضح مشارك آخر: “نخشى تصاريح الإقامة والاعتقال والترحيل… لا نخرج كثيراً بسبب الحواجز، وإذا اقترب دورية بلدية أو أمنية نختبئ أو نغادر العمل.”
ما يجعل الوضع الراهن شديد الخطورة بشكل خاص هو التضييق الإضافي لسبل الإقامة القانونية، وذلك في أعقاب التغييرات السياسية الأخيرة التي اعتمدتها المديرية العامة للأمن العام في تشرين الثاني/نوفمبر 2025. بموجب هذا القرار، بات يُشترط على السوريين العاملين في لبنان الحصول على إقامة قانونية حصراً عبر الكفالة الوظيفية أو تصريح عمل رسمي.[16] والأهم أن إمكانية تسوية الأوضاع عبر هذه الآليات مقصورة على من دخلوا لبنان عبر المعابر الرسمية، مما يُقصي فعلياً شريحة واسعة من اللاجئين الذين وصلوا بطرق غير نظامية. كما يُشترط على اللاجئين الذين كانت إقامتهم مرتكزة على التسجيل لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة والعاملين منهم الانتقال إلى إقامة مرتبطة بالكفالة أو تصريح العمل، مما يقتضي إغلاق ملفاتهم لدى المفوضية. ولهذا الأمر تبعات خطيرة تتمثل في فقدان الحصول على المساعدات الإنسانية وخدمات الحماية، دون أي ضمان بالموافقة على طلبات الإقامة في نهاية المطاف. ومما زاد الأمرَ تعقيدًا، التكاليف المالية المرتبطة بإجازات العمل، وتجديد الإقامة، ورسوم تأخير التجديد المتراكمة (كسر الإقامة) لا تزال باهظة للغاية، ولا يتم تقديم أي دعم مالي لتغطية هذه النفقات. تُبرز المقابلات التي أُجريت مع افراد من مجموعات الأقليات الضوء على الكيفية التي تؤدي بها هذه السياسات إلى تأثيرات متباينة. حيث أفاد المشاركون من خلفيات درزية بدخولهم لبنان بشكل قانوني عبر معبر المصنع الحدودي وحصولهم على إقامة قانونية لمدة شهر واحد؛ ومع ذلك، وبعد انتهاء مدة الإقامة (كسر الإقامة)، أصبحوا غير قادرين على تجديدها بسبب التكاليف الباهظة، حتى في الحالات التي توفر فيها كفيل محتمل. وفي المقابل، أفاد المشاركون من مجموعات الأقليات الأخرى، بما في ذلك المجتمعات العلوية والشيعية والمرشدية، بدخولهم لبنان بطريقة غير نظامية. وبموجب الإطار التنظيمي الحالي، تمنعهم طريقة الدخول هذه فعلياً من الوصول إلى سبل تسوية الأوضاع المتاحة، حتى في حال توفر الإمكانيات المادية أو فرص الكفالة. ونتيجة لذلك، يُتركون دون أي خيارات قابلة للتطبيق للحصول على إقامة قانونية، إذ لا تنص السياسات الحالية على استثناءات للداخلين بطريقة غير نظامية، باستثناء حالات العودة إلى سوريا.
العقبات أمام التعليم
تاريخياً، ومنذ انطلاق الأزمة السورية عام 2011، كانت الدولة اللبنانية وشركاؤها الدوليون يتيحون للأطفال السوريين الالتحاق بالمدارس التي تدرس دوام بعد الظهر دون اشتراط الإقامة القانونية للطلاب أو ذويهم. غير أنه مع تزايد أعداد النازحين قياساً بالمجتمع المضيف، تفاقم العبء على البنية التحتية اللبنانية، وتجاوز الأمر الاعتبارات المالية ليصل إلى ضغط لوجستي بات يُثقل قطاع التعليم العام. بلغت هذه الأزمة نقطة تحول حاسمة بين عامي 2024 و2025، حين أفضى انهيار النظام السوري إلى موجة نزوح جديدة شملت بصورة خاصة الأقليات الطائفية كالعلويين القادمين من الساحل والدروز من السويداء الفارّين من اضطهاد السلطات الناشئة.[17] وبدلاً من تيسير الوصول إلى التعليم استجابةً لهذه المتغيرات، أصدرت وزارة التربية والتعليم العالي التعميم رقم 67/2025، الذي وضع شروطاً صارمة جديدة لتسجيل الطلاب غير اللبنانيين في المدارس الرسمية ذات دوام “بعد الظهر” للعام الدراسي 2025/2026.[18]بموجب هذا التعميم، لا يُسمح للطلاب السوريين بالتسجيل إلا إذا كانوا يحملون تصريح إقامة سارياً غير منتهٍ صادراً عن المديرية العامة للأمن العام، أو بطاقة هوية سارية المفعول صادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. أما الطلاب الذين يفتقرون إلى هذه الوثائق فيجوز لهم التسجيل، بيد أنهم يخاطرون بأن تُحال معلوماتهم الشخصية إلى المديرية العامة للأمن العام بعد انتهاء إجراءات التسجيل. وقد أفضى هذا الإجراء إلى شلل فعلي في إمكانية وصول عدد ضخم من الأطفال الذين وصلوا عقب سقوط نظام الأسد إلى المنظومة التعليمية الرسمية، وذلك لأن ذويهم يخشون الترحيل جرّاء مشاركة بيانات الإقامة القانونية مع الأمن العام. وقد تجلّى ذلك في مقابلات أجراها مركز وصول لحقوق الإنسان حين صرّحت إحدى الأسر: “ليس لدينا أي أوراق ثبوتية، لا لنا ولا لأطفالنا. أطفالنا لم يدخلوا المدرسة.” كما شدد مشارك آخر على الحرمان الشامل الذي يعانونه بقوله: “احتياجاتنا هي كل شيء… بما في ذلك التعليم لأطفالنا“.
العقبات أمام الرعاية الصحية
بات الوصول إلى الرعاية الصحية أمراً في غاية الصعوبة بالنسبة للاجئين الجدد؛ إذ يقف غياب الوثائق المطلوبة عقبةً رئيسية، حيث كثيراً ما تشترط المستشفيات والمراكز الصحية الأولية شهادة تسجيل المفوضية أو تصريح إقامة ساري المفعول لتقديم العلاج بتكاليف مخفّضة.[19] ولمّا كان كثير من الوافدين الجدد عاجزين عن التسجيل لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بسبب التعليق المستمر لعملية التسجيل، فإنهم يُعتبرون غير موثقين، كما هو الحال مع لاجئين سوريين آخرين. ونتيجة لذلك، يضطرون لدفع التكلفة الكاملة للرعاية الطبية. كما قد لا يتمتع ايضا المسجلون بالتغطية الكاملة، نظراً لأن المفوضية لم تعد تقدم الدعم الطبي للاجئين المقيمين في لبنان منذ 1 ديسمبر 2025،[20] وهو ما يُشكّل عبئاً باهظاً في ظل الأزمة الاقتصادية المستمرة في لبنان. وكما أفاد أحد المُقابَلين: “مرض زوجي لكننا لم نستطع الذهاب إلى المستشفى لأنه لا تصاريح إقامة لدينا ولا تغطية طبية.”في المقابل، كثيراً ما تُحجم المستشفيات والعيادات الخاصة عن استقبال المرضى غير الموثّقين، خشية التداعيات القانونية أو التدقيق من قِبل الأمن العام. وجرّاء ذلك، يجد كثير من الوافدين الجدد، ولا سيما من ينتمون إلى أقليات كالعلويين والدروز، أنفسهم أمام خيارات شحيحة للغاية: فمنهم من يلجأ إلى عيادات صغيرة محدودة التجهيزات، ومنهم من يؤجل طلب الرعاية الطبية حتى تستقر حالته. وروى أحد المُقابَلين أنه: “حين وصل إلى لبنان برفقة أخيه الذي أُصيب إصابةً بالغةً في حادث دراجة نارية، آثروا التوجّه إلى صيدلية قريبة وطلبَ مسكّناتٍ للألم خشيةَ الاعتقال عند الذهاب إلى مستشفى خارج منطقة إقامتهم، فظلّ أخوه يعاني من الألم لأسابيع“.
القيود على التنقل وخطر الترحيل
يترتب على نقص الإقامة القانونية تأثيرات كبيرة على حرية تنقل اللاجئين في لبنان. ومع تكثيف السلطات مؤخرًا لإجراءات إنفاذ القانون، يُنظر غالبًا إلى التنقل على أنه محفوف بالمخاطر بسبب المخاوف من الاعتقال والترحيل الفوري. وفي جميع أنحاء لبنان، يُحافظ على الأمن من خلال شبكة كثيفة من نقاط التفتيش التي تشغّلها القوات العسكرية اللبنانية، وقوى الأمن الداخلي، ومكتب الأمن العام. وعلى الرغم من أن مكتب الأمن العام يمتلك حضورًا ماديًا أصغر عند هذه النقاط مقارنة بالفروع الأخرى، فإن وجوده يمثل التهديد الأشد للاجئين نظرًا لسلطته المباشرة على الإقامة والترحيل. بعض هذه النقاط ثابتة، بمواقع معروفة يمكن تجنبها، في حين أن بعضها الآخر متحرك ويظهر بشكل غير متوقع، مما يجعل التنبؤ بها أصعب. ويُشعر اللاجئون بالأثر الملموس لهذا “الحصر الجغرافي” في كل جانب من جوانب حياتهم اليومية. كما عبّر أحد المستجيبين: “نحن نخاف من تصاريح الإقامة والاعتقالات والترحيل. لا نخرج كثيرًا بسبب نقاط التفتيش، وإذا جاءت دورية بلدية أو أمنية، نختبئ أو نغادر العمل.” وهذه المخاوف ليست افتراضية، بل قائمة على تجارب واقعية. فقد روى أحد الوافدين الجدد أنه أثناء أخذه ابنته لإجراء فحص دم، تم توقيفه عند نقطة تفتيش واعتقاله واحتجازه لمدة 24 ساعة قبل إطلاق سراحه. وعند حديثه عن الحادثة، قال: “جعلتني هذه التجربة أخاف من الخروج من المنزل. قالوا إنها إجراء روتيني، وتعاملوا معي بشكل غير محترم ولم يأخذوا بعين الاعتبار أنني رجل مسن. الآن، أتحرك فقط داخل القرية وأحاول تلبية احتياجاتي بالقرب من المنزل.”تعزز مثل هذه الحوادث ما يمكن وصفه بـ “التنقل المجمد”، حيث يقيد القادمون الجدد أنفسهم ضمن مناطق ضيقة يُنظر إليها على أنها آمنة، متجنبين التنقل حتى لتلبية الاحتياجات الأساسية. ويعمّق هذا الوضع المفروض من العزلة ويحدّ من الوصول إلى الرعاية الصحية، والشبكات الاجتماعية، وفرص سبل العيش الضرورية لبقائهم. لقد تبنت السلطات اللبنانية مؤخرًا موقفًا أكثر صرامة، يشعر به غالبية اللاجئين في البلاد. فقد وصف أحد الوافدين الجدد فراره من سوريا مع أسرته بعد سقوط النظام بسبب الخوف من الانتقام من جماعات مسلحة مرتبطة بالسلطات الجديدة. وقال: “تعرضنا للإساءة والضرب والعنف… لمجرد أننا عشنا في مناطق كان يسيطر عليها النظام سابقًا”، مضيفًا: “لقد أحرقوا منازلنا ودمرّوها ونهبوا كل شيء” وبما أنه دخل لبنان بشكل غير نظامي، لم يتمكن من تصحيح وضعه القانوني أو التسجيل لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، مما تركه دون حماية قانونية. وبعد فترة وجيزة من إجراء المقابلة، تم توقيفه وترحيله إلى سوريا، ومنذ ذلك الحين لم تُعرف معلومات عن مكانه أو سلامته.
التماسك الاجتماعي والديناميكيات المحلية
ترتبط أنماط استقرار الوافدين السوريين الجدد في لبنان ارتباطاً وثيقاً بتصورات الأمان والهوية الدينية وإمكانية الوصول إلى شبكات الدعم المجتمعي. وصف المُقابَلون عبر مختلف الأقليات انتقالهم المتعمّد إلى مناطق تتقاطع معهم في الانتماء الديني أو الثقافي. على سبيل المثال، أفاد المشاركون من الطائفة المرشدية أنهم استقرّوا في أحياء يغلب عليها الطابع المسيحي أو طابع الأقليات، مثل حي مار ميخائيل في بيروت، واصفين هذه المناطق بأنها أكثر ترحيبًا. وقد أشاروا إلى أنهم لجأوا إلى هذه المناطق لأنها تستضيفهم رغم الصعوبات، موضحين أن البلديات قد تتجاهلهم أحيانًا، إلا أن نقاط التفتيش وقوى الأمن لا تفعل، مما يُبقيهم في حالة دائمة من الخوف وعدم الاستقرار. كما أكد المشاركون المرشديون عمومًا حسن العلاقات مع المجتمع المضيف اللبناني في هذه الأحياء، حيث ذكر أحدهم أن “عامل الجيران أسرتي باحترام، ويبدو أن انتماءنا إلى أقلية ساعد على تقبّلنا في بعض التعاملات، ولم نواجه أي خلاف مباشر مع السكان المحليين”. ومع ذلك، ورغم هذه العلاقات الإيجابية، ظل الشعور بانعدام الأمن البنيوي قائمًا؛ إذ حرصت الأسرة على تفادي أي تواصل مع قوى الأمن أو المؤسسات الرسمية خشية الاحتجاز أو الترحيل الى سوريا. كما وصف المشاركون الدروز استراتيجية مشابهة، إذ عمد كثيرون منهم عند وصولهم من سوريا الإقامة في منطقة جبل لبنان حيث يتشاركون مع السكان هويتهم الدينية. وقد يسّر هذا الاشتراك الوصول إلى شبكات الدعم المحلي وأتاح فرص عمل غير رسمية حتى في غياب الوثائق القانونية. وأشار أحد الذين تمت مقابلهم إلى أن أهل المنطقة “شعروا بأنهم عليهم دعمنا”، مما أتاح للوافدين الجدد إيجاد عمل والاندماج في الحياة الاقتصادية المحلية بسهولة أكبر. تتنوع التفاعلات مع السكان اللبنانيين المضيفين بشكل عام، وتتراوح بين الدعم والتمييز والريبة. فقد أشار بعض المُقابَلين إلى أن السكان تعاملوا معهم بتفهّم حين علموا بانتمائهم للأقليات، بينما أفاد آخرون ب بتعرضهم للوصم أو التنميط المرتبط بمجرد كونهم سوريين. وأبرز أحد المشاركين في المقابلات وهو من الديانة المسيحيين، هذا التوتر قائلا: “لا إشكال مع بعض اللبنانيين، لكن بعضهم يرونك فقط كسوري. ثمة نظرة سيئة تجاه الفتيات السوريات الجديدات بافتراض أنهن أتين للدعارة. صحيح أن ثمة حالات كذلك، لكن ليس الجميع. وقد تسبب ذلك في مشاكل لي فيما يتعلق بالسكن.”
تلعب الهوية الدينية دوراً مزدوجاً في صياغة التماسك الاجتماعي؛ فمن ناحية، يمكن للانتماء المشترك للأقليات أن يوفر الحماية، والاعتراف المتبادل، والوصول إلى شبكات الدعم، مما يساعد الوافدين الجدد على التعامل مع الأنظمة المحلية وبناء الثقة مع المجتمعات المضيفة. ومن ناحية أخرى، تضع الهويةُ الأفرادَ في مواجهة التمييز والتنميط والمضايقات المستهدفة عندما تتقاطع التحيزات المجتمعية الأوسع مع انعدام الأمن أو التنافس على الموارد. وهذا ما أكده بعض الوافدون السوريون المسيحيون بأن عقيدتهم كانت أحياناً بمثابة درع حماهم من الإخلاء أو العداء الاجتماعي، بينما واجه سوريون آخرون، بغض النظر عن جنسهم أو دينهم، تحيزاً قائماً على الجنسية وحدها. كما توضح تجارب المستجيبين الدروز في جبل لبنان الجانب الإيجابي للهوية الدينية المشتركة، حيث مكن التضامن المجتمعي من الوصول إلى فرص العمل والحماية غير الرسمية، مما خفف من بعض المخاطر المرتبطة بالهشاشة القانونية. وبالمثل، تظهر تجارب المرشديين في بيروت أن صفة الأقلية يمكن أن تسهم في تفاعلات جوار محترمة، رغم استمرار انعدام الأمن البنيوي، ولا سيما فيما يتعلق بالتعامل مع السلطات.
فمن منظور حقوق الإنسان، تسلط هذه الديناميكيات الضوء على عدة قضايا جوهرية؛ أولاً يكشف التباين في معاملة الوافدين السوريين الجدد عن مواطن ضعف تتعلق بالتمييز، والإنفاذ التعسفي للأنظمة المحلية، وعدم المساواة في الوصول إلى الخدمات الأساسية. ثانياً إن الخوف من التواصل مع السلطات، سواء كانت بلدية أو أمنية، يحد من قدرة الوافدين الجدد على ممارسة حقوقهم القانونية، أو طلب الحماية، أو الإبلاغ عن الانتهاكات. ثالثاً يخلق تقاطع عوامل النوع الاجتماعي (الجنس) والجنسية والدين مخاطر محددة، لا سيما بالنسبة للنساء، بما في ذلك التحرش، والوصم الاجتماعي، وتقييد حرية التنقل. إن تجارب الاستقرار هذه للأقليات السورية الوافدة حديثاً إلى لبنان توضح التفاعل المعقد بين الهوية الدينية، وتوجهات المجتمع المضيف، والفجوات الهيكلية في الحوكمة. وبينما يمكن للهوية المشتركة أن تعزز جيوباً من التماسك الاجتماعي والدعم غير الرسمي والوصول إلى العمل، إلا أن الوضع القانوني غير الآمن يكرس حالة الهشاشة، مما يؤكد الحاجة إلى سياسات وبرامج إنسانية تعزز الحماية والادماج الشامل على حد سواء.
تصورات العودة
تشكل تصورات العودة لدى الوافدين الجدد من الأقليات السورية في لبنان نتيجة تداخل معقد بين المخاوف الأمنية، والاستهداف القائم على الهوية، وثغرات الحوكمة، وعدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. وعلى امتداد مجتمعات الدروز والعلويين والمسيحيين والشيعة والمُرشديين، شدد المشاركون بشكل متكرر على أن سوريا لا تزال غير آمنة، ومنغلقة اجتماعيًا، وغير مستقرة اقتصاديًا، مما يجعل العودة الطوعية صعبة التنفيذ إلى حد كبير في ظل الظروف الحالية. أبرز المشاركون من الأقليات الدرزية وجود تهديدات مستمرة في السويداء ومناطق أخرى ذات الأغلبية الدرزية، واصفين هجمات متواصلة، وإحساسًا واسع النطاق بالإقصاء. قالت امرأة: “جئت إلى لبنان خوفًا على أطفالي ونفسي. ما زلنا مستهدفين من قبل الجماعات المسلحة، وتشعر السويداء بالعزلة. يعاملوننا وكأننا لا ننتمي، وكأننا لسنا سوريين. الهجمات ما زالت مستمرة، لكن وسائل الإعلام لم تعد تغطيها. لن أعود أبدًا حتى أشعر بالأمان والترحيب في وطننا دون تمييز ديني”. النساء على وجه الخصوص يخشين التحرش الجنسي، والاختطاف، وأشكال العنف الخاصة بالنوع الاجتماعي. وقد عبّر مستجيب درزي آخر عن هذه المخاوف قائلاً: “أحيانًا أفكر في العودة، لكن لا يوجد أمن. لا أريد أن يعيش أطفالي هذا الخوف أو يُسألون عن طائفتهم. لا أرى أي تحسن في الوضع.”توضح هذه الشهادات كيف أن العنف المستهدف، والإقصاء الاجتماعي، والتهديدات المرتبطة بالنوع الاجتماعي تتقاطع لتجعل العودة غير ممكنة على المدى القريب.
شدّد المستجيبون العلويون على تعرضهم لمخاطر سياسية وطائفية مرتبطة بالانتماء المفترض للنظام السابق. وقال أحدهم: “لا نعتزم العودة إلى سوريا أبدًا. حتى لو كانت الحياة هنا في لبنان صعبة، فلن نعود أبدًا لأن مصيرنا سيكون الموت. بصفتنا علويين، يُفصل الناس من وظائفهم، ولا توجد فرص عمل، ولا يمكننا التنقل بحرية. العديد من الشباب العلويين قد تم احتجازهم، سواء ارتكبوا أي جريمة أم لا. سمعنا العديد من التهديدات الطائفية—يقول الناس أشياء مثل: علويون، نصيريون، خنازير. الذين يتركون منازلهم يختفون؛ ومن يعود يُقتل. اختُطف العديد من الشبان والشابات. هذه العناصر مرتبطة بالدولة بالتأكيد، جماعات مسلحة متخفية. بعد كل هذا، كيف يمكننا العيش هناك؟ “وبعيدًا عن التهديدات المباشرة على الحياة، فإن فقدان الممتلكات، وتدمير المنازل، والتهميش الاقتصادي يعززون الإحساس بعدم إمكانية العودة. وذكر أحد المشاركين: “لا أملك شيئًا الآن. احترق منزلي وسُرق، وفقدت وظيفتي. كل ما أريده هو الأمان لعائلتي.”
أعرب المشاركون المسيحيون عن مخاوفهم بشأن انعدام الأمان وعدم الاستقرار المؤسسي، لا سيما في المناطق الحضرية مثل دمشق. وقال أحدهم: “عند النظر إلى سوريا من بعيد، يبدو أن الوضع يتحسن ببطء. بصفتنا مسيحيين، لم نكن طرفًا في الحرب. في قرانا، كانت الدولة بحاجة للحفاظ على الأمن، ورغم وقوع حوادث فردية مثل الاعتقالات والقتل فإن السلطات كانت عمومًا تفرض النظام. التحسينات بطيئة، والمخاوف مستمرة. نسمع عن انفجارات أو هجمات على الكنائس، ونخاف على مجتمعاتنا. لهذا السبب نفضل البقاء في لبنان حاليًا حتى تعيد الدولة السورية الأمن.”وتركزت مخاوف النساء على التحرش، واستهداف السمعة، وقيود الحريات الاجتماعية، بما في ذلك القيود على الملابس والسلوك العام والمشاركة في الحياة الثقافية. كما شكلت القيود الاقتصادية، مثل ارتفاع الأسعار، واحتكار الموارد، وقلة فرص العمل، عوائق إضافية أمام العودة
.
بينما أظهر المشاركون الشيعة موقفًا أكثر تقييدا تجاه العودة. فرغم تعرضهم لمخاطر مرتبطة بالاستهداف الطائفي والإقصاء الاجتماعي، أشار بعضهم إلى أن العودة قد تُؤخذ بعين الاعتبار إذا تم استعادة الأمن والحوكمة والظروف الاقتصادية بشكل موثوق.
أبرز المشاركون من الطائفة المُرشدية استمرار حالة انعدام الأمان البنيوية. ورغم أن الاعتقالات والعنف واسع النطاق قد تراجع وفقًا للتقارير، فإن التهديدات المستمرة ما زالت قائمة، بما في ذلك حالات الاختفاء غير معروفة المصير، وحظر التجوال، والأنشطة الاقتصادية المحدودة، وغياب الخدمات الفاعلة. كما ويشكل الإبلاغ عن الانتهاكات خطرًا، إذ قد يُتهم المدنيون بالانتماء للنظام السابق مما يعرضهم للاضطهاد. وشرح أحد المستجيبين: “بينما آمل أن أعود يومًا ما، لا يمكنني التفكير في ذلك إلا إذا تم استعادة الأمن والحماية القانونية وظروف الحياة الطبيعية. وإلا، فإن العودة مستحيلة.”
من خلال جميع المجموعات، تشكل عدة عوامل متداخلة تصورات العودة وهي الأمان والعنف، بما في ذلك حالات القتل السابقة، والاختطافات، والاعتقالات التعسفية، والهجمات المستمرة، والتي تعمل كعوامل رادعة للعودة. ورغم أن أنماط الاستهداف تختلف باختلاف المجتمع، فإن جميع المشاركين يرون أن هناك مخاطر تهدد الحياة، بما في ذلك التهديدات القائمة على الهوية، مثل الانتماء الطائفي، ووضع الأقلية، والروابط السياسية المفترضة، والتي تزيد من إحساس الخطر وتجارب العنف. تشكل الهشاشة المرتبطة بالنوع الاجتماعي أيضًا موضوعًا مشتركًا بين جميع المجموعات، حيث تواجه النساء مخاطر إضافية تشمل التحرش الجنسي، والاختطاف، والهجمات على السمعة، والقيود على التنقل والمشاركة الاجتماعية. وتعزز الثغرات المؤسسية، مثل ضعف الحوكمة، والعفو الانتقائي، وغياب الآليات القانونية النزيهة، وعدم موثوقية تطبيق القانون، حالة انعدام الأمان والظلم وتؤدي إلى ضعف الضمانات الأمنية. وأخيرًا، تسهم الظروف الاقتصادية والاجتماعية الهشة، بما في ذلك فقدان الممتلكات، وقلة فرص العمل، وتعطل الخدمات، والضغوط التضخمية، في تعزيز تصور أن إعادة الاندماج غير ممكنة، حتى في حال تم استعادة شروط السلامة الجسدية.
من المهم الإشارة إلى أن هذه التصورات تُظهر أن قرارات العودة لا تُحدد بالحاجة الاقتصادية فحسب، بل هي متجذرة بعمق في تصورات التهديد، والتعرض السابق للعنف، واستمرار حالة الانعدام النظامي للأمن. وترى مجتمعات الدروز والعلويين، على وجه الخصوص، أن العنف المستهدف والإقصاء الاجتماعي سيستمران في حال العودة، بينما يبرز المستجيبون المسيحيون والشيعة ضعف المؤسسات وعدم الاستقرار المجتمعي كعوائق رئيسية. وتواجه العائلات المُرشدية مزيجًا من انعدام الأمان البنيوي والخوف من الانتقام نتيجة الإبلاغ عن الانتهاكات، مما يعزز الحاجة إلى آليات حماية قوية. رغم هذه القيود، لا يزال البعض يحتفظون بأمل مشروط في العودة. فعلى سبيل المثال، شدد المشاركون المسيحيون على أن تحسين الحوكمة، واستعادة الأمن، وفعالية الخدمات، والتعافي الاقتصادي ستكون شروطًا أساسية للنظر في العودة: “نأمل أن تعود سوريا إلى الأمن، والحياة الطبيعية، والنشاط الاقتصادي. يجب أن يتمكن الناس من العمل، والحصول على التعليم والرعاية الصحية، والعيش دون خوف. عندها فقط قد تصبح العودة ممكنة.“
تؤكد جميع المقابلات التي أجراها مركز وصول لحقوق الانسان (ACHR) على الحاجة الملحة لأن تكون أي مبادرات مستقبلية للعودة طوعية وآمنة، ومستجيبة للمخاطر المتباينة بين المجتمعات. كما تسلط النتائج الضوء على التداعيات المتعلقة بحقوق الإنسان، بما في ذلك ضرورة الحماية من العنف القائم على الهوية، وتطبيق المساواة بين الجنسين، واستعادة الضمانات القانونية والمؤسسية، ودعم إعادة الاندماج الاجتماعي والاقتصادي للفئات الأقلية. ولا يمكن فصل مسألة العودة عن القضايا الأوسع المرتبطة بالحكم، والأمن، والتماسك الاجتماعي؛ فبدون معالجة هذه الظروف الأساسية، فإن العودة المبكرة أو القسرية ستزيد من هشاشة الأفراد وتهدد كلًا من السلامة الشخصية والاستقرار العام في سوريا.
الخاتمة
يُثبت هذا التقرير أن الوافدين السوريين الجدد من مجتمعات الأقليات في لبنان لا يشكّلون مجموعة متجانسة. فتجارب نزوحهم وتصوراتهم للأمان وديناميكيات التماسك الاجتماعي لديهم واستعدادهم للعودة، كلها مرتبطة ارتباطا عميقاً بالهوية الدينية والجنس والأصل الجغرافي والوضع الاجتماعي الاقتصادي والتعرّض السابق للعنف. إدراك هذه الفوارق أمر لا غنى عنه للفاعلين الإنسانيين والسياسيين الساعين إلى تصميم تدخلات ترتكز على الواقع المعاش. ينبغي للاستجابة لإنسانية والسياسية أن تكون حساسة للهوية، مراعيةً للمخاطر المحددة والتجارب الاضطهادية لكل مجتمع. وأن تكون موجّهة نحو الحماية، بما يكفل الأمن القانوني والسكن الآمن والوصول الموثوق إلى المساعدات. وأن تدعم التماسك الاجتماعي من خلال تعزيز التعايش السلمي مع المجتمعات المضيفة مع الاستثمار في الشبكات المجتمعية التي تُسهم في السلامة والاستقرار. وأن تكون أي خطط عودة قائمة على تقدير المخاطر، بعيدةً عن الافتراض المسبق بسلامة شاملة في سوريا، وضامنةً أن تكون العودة طوعيةً وكريمةً ومبنيةً على الواقع المتباين الذي تعيشه الأقليات. كما يُبرز التحليل أن تجارب النزوح تتشكّل من عوامل متشابكة، الهوية والتعرّض للعنف وانعدام الأمن البنيوي، مما يجعل الاستجابات الموحّدة غير كافية. ومن ثمَّ تغدو الاستراتيجيات المصمَّمة خصيصاً والمبنية على الأدلة ضرورةً قصوى لصون حقوق الوافدين الجدد من الأقليات ودعم سبل معيشتهم والحفاظ على التماسك الاجتماعي في المجتمعات المضيفة. وبتمحوره حول التجارب الحيّة للوافدين السوريين الجدد، يؤكد هذا التقرير أهمية المقاربات الدقيقة والمدروسة في سياقها، القادرة على معالجة الاحتياجات الإنسانية الآنية وإشكاليات الحماية والاستقرار بعيدة المدى في آنٍ واحد.
التوصيات
أولاً: الى السلطات اللبنانية
- توسيع وضمان الوصول غير المقيد للمساعدات الإنسانية للاجئين السوريين في لبنان، بما في ذلك دعم الوافدين الجدد واحتياجاتهم الأساسية.
- وضع تدابير استثنائية لتقنين وضع الوافدين الجدد، بما في ذلك من دخلوا لبنان بشكل غير نظامي، من خلال تقديم برامج حماية مؤقتة غير مرتبطة بكفالة صاحب العمل. بالإضافة إلى ذلك، تسهيل وضمان الوصول المستمر إلى الوثائق القانونية، عبر إجراءات واضحة وميسرة للحصول على تصاريح الإقامة أو تجديدها، مع تخفيض أو إلغاء الرسوم والغرامات المتعلقة بالإقامة الزائدة للحد من الاستغلال، وتمكين حرية التنقل، وتقليل الاعتماد على العمل غير الرسمي.
- فصل الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية الأولية عن متطلبات الإقامة من خلال مراجعة السياسات التقييدية (بما في ذلك شروط تسجيل المدارس)، وضمان الوصول الآمن إلى الخدمات دون خطر الاعتقال أو مشاركة البيانات مع السلطات الأمنية.
- على لبنان أن يصادّق بشكل عاجل على اتفاقية اللاجئين لعام 1951 وبروتوكولها لعام 1967، وأن يعتمد إطارًا وطنيًا شاملاً للجوء يتوافق مع المعايير الدولية لحماية اللاجئين.
- يجب على السلطات اللبنانية الالتزام الصارم بالمبدأ القانوني الدولي لعدم الإعادة القسرية (Non-refoulement)، الذي يحظر إعادة الأفراد إلى دول يواجهون فيها خطرًا حقيقيًا من الاضطهاد أو العنف أو أي أذى جسيم آخر.
- يجب على السلطات اللبنانية، بما في ذلك إدارة الحدود وعناصر الأمن، الالتزام بالقوانين الدولية والوطنية التي تلزمهم بحماية الحقوق القانونية للإنسان، بما في ذلك الأشخاص المعتقلون والمحتجزون والمُرحَّلون، وفقًا للمادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ICCPR)، واتفاقية مناهضة التعذيب (CAT).
- على المستوى المحلي، دعم البلديات بالموارد اللازمة لإدارة الضغوط السكانية، مع منع الممارسات التمييزية وتعزيز مبادرات التماسك الاجتماعي في المناطق ذات الكثافة العالية.
ثانيا: الى المنظمات الدولية
- توسيع المساعدات الإنسانية الشاملة المرتكزة على الحماية، وتكييف آليات الاستهداف والتوصيل لتشمل الوافدين الجدد غير المسجلين أو غير النظاميين، من خلال تطوير تقييمات بديلة للهشاشة تتجاوز تسجيل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR).
- زيادة التمويل للمساعدات النقدية، والرعاية الصحية، والتعليم، بما في ذلك استعادة الخدمات الأساسية مثل دعم الاستشفاء. وضمان وصول المستفيدين للمساعدة دون تعريضهم للمخاطر القانونية أو الأمنية.
- تعزيز برامج الحماية المتكاملة، والمساعدة القانونية، ورصد الحقوق، من خلال توسيع الخدمات القانونية وخدمات الحماية وبرامج العنف القائم على النوع الاجتماعي (GBV)، مع ضمان الوصول الآمن والسرّي للاجئين غير الموثّقين.
- تعزيز الرصد المنهجي وتوثيق حالات الإعادة القسرية، والاعتقال، والترحيل، واستغلال العمل، واستخدام هذه الأدلة لدعم جهود المناصرة المنسقة مع السلطات اللبنانية والأطراف الدولية المعنية.
- ضمان أن تكون البرامج الإنسانية وبرامج التنمية والسياسات المرتبطة بها حساسة للنزاعات، ومتوافقة مع نهجصلة التنمية والسلام والأمن (HDP nexus)، لمعالجة المخاطر الخاصة بالنوع الاجتماعي، والحد من التوترات المجتمعية ومنعها على أساس الهوية الدينية والنوع الاجتماعي والتعرض السابق للعنف.
- الاعتراف بأن سوريا لا تزال غير آمنة وغير مستقرة، وأن العودة يجب أن تتماشى مع المعايير الدولية للحماية، بما في ذلك أن تكون العودة طوعية، وآمنة، ومستنيرة، وكريمة. وتعتمد العودة المستدامة للاجئين على تحسينات ملموسة في الأمن وحقوق الإنسان والاستقرار والسلام على المدى الطويل في سوريا، لا سيما فيما يتعلق بالأمن، والسكن، والعمل، وسبل العيش.
- دعم الجهود طويلة الأمد المتعلقة بالمساءلة، واستعادة المساكن والأراضي والممتلكات، والتعويض عنها، وتعزيز الحوكمة الشاملة لمعالجة الأسباب الجذرية للنزوح.
- توفير مسارات قانونية وآمنة للاجئين السوريين نحو حلول دائمة، خاصة فيما يتعلق بإعادة التوطين في دول ثالثة والمسارات المكملة.
- تعزيز الدعم للمنظمات التي يقودها اللاجئون والمنظمات المعنية بحقوق اللاجئين، والتي تتميز بفهم احتياجات اللاجئين، وتحديد المخاطر المتعلقة بالحماية، وملء الثغرات الحرجة، وضمان أن تكون الاستجابات الإنسانية مستندة إلى تجارب اللاجئين الفعلي
[1] Upinion , Syrian refugees arriving before and after the fall of the Assad regime: Prospects and local governance in Syria and Lebanon ,6 jan 2026 , Syrian refugees arriving before and after the fall of the Assad regime: Prospects and local governance in Syria and Lebanon – Upinion
[2] SPEAC QUARTERLY PROTECTION MONITORING REPORT LEBANON ,February-April 2025
[3] Ibid 2
[4] OHCHR , Syria: Distressing scale of violence in coastal areas, 11March2025 ,Syria: Distressing scale of violence in coastal areas | OHCHR
[5] UNFPA, Flash Update #1: Syria – Coastal Area Violence (14 March 2025), https://www.unfpa.org/sites/default/files/resource-pdf/Flash%20Update%20%231-%20SCO-%20Coastal%20Violence.pdf, Last access 30/03/2026.
[6] The united nations office at Geneva , Syria: UN Commission documents grave violations in July 2025 escalation in Sweida ,Syria: UN Commission documents grave violations in July 2025 escalation in Sweida | The United Nations Office at Geneva
[7] OHCHR, Syria: UN experts alarmed by targeted abductions and disappearances of Alawite women and girls, https://www.ohchr.org/en/press-releases/2025/07/syria-un-experts-alarmed-targeted-abductions-and-disappearances-alawite, Last access 30/03/2026.
[8] UK PARLIAMENT,Syria one year after Assad: Religious minorities,11 Dec 2025 Syria one year after Assad: Religious minorities – House of Commons Library
[9] HRC fifty-ninth session, Violations against civilians in the coastal and western- central regions of the Syrian Arab Republic (January–March 2025) ,11 Aug 2025 a-hrc-59-crp4-en.pdf
[10] Ibid 4
[11] OHCHR, Syria: UN experts alarmed by targeted abductions and disappearances of Alawite women and girls, https://www.ohchr.org/en/press-releases/2025/07/syria-un-experts-alarmed-targeted-abductions-and-disappearances-alawite, Last access 30/03/2026.
[12] OHCHR, UN Syria Commission finds March coastal violence was widespread and systematic: outlines urgent steps to prevent future violations and restore public confidence, https://www.ohchr.org/en/press-releases/2025/08/un-syria-commission-finds-march-coastal-violence-was-widespread-and,
[13] UNHCR , Lebanon Refugees and asylum-seekers | UNHCR Lebanon
[14] Convention against Torture (CAT), Article 3 for non-refoulement.
[15] International Covenant on Civil and Political Rights (ICCPR), Articles 6 and 9.
[16] UNHCR,12 November GSO and MoL Decisions on Work Permits/File Closure,12 November GSO and MoL Decisions on Work Permits/File Closure – UNHCR Lebanon
[17] ACHR, Briefing Paper (2025), p:2, Available at: https://achrights.org/wp-content/uploads/2025/08/Briefing.pdf, last access 27/03/2026.
[18] UNHCR, Important update for parents with school-aged children, https://help.unhcr.org/lebanon/en/2025/10/16/extension-important-update-for-parents-with-school-aged-children/
[19] Doctors Without Borders, Syrians in Lebanon avoid healthcare in fear of deportations, 17 may 2023, Available at: https://www.msf.org/syrians-lebanon-avoid-healthcare-fear-deportations
[20] UNHCR, Access to Healthcare, https://help.unhcr.org/lebanon/en/welcome/access-to-healthcare/