ذات صلة

بيان- العودة غير المستدامة إلى سوريا تدفع اللاجئين السوريين للعودة إلى لبنان – وهم أكثر هشاشة مما كانوا عليه سابقا

باريس، فرنسا،24 فبراير 2026

منذ سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، تبلورت الخطابات السياسية حول افتراض مفاده أن اللاجئين السوريين ينبغي أن يعودوا إلى سوريا، وأنهم سيعودون فعلاً، انطلاقاً من تصور ضمني بأن سوريا باتت تُعد بلداً آمناً للعودة. إلا أنه، وعلى الرغم من التحولات السياسية الكبيرة التي شهدتها سوريا، لا يزال البلد يعاني من عدم الاستقرار ويفتقر إلى الشروط الأساسية للأمان والاستدامة، ما أدى إلى أن تكون العديد من حالات العودة، بدرجات متفاوتة، ذات طابع مؤقت وغير مستقر.

وعلى الرغم من أن أعداد العائدين كانت أقل بكثير من التوقعات، فقد عاد إلى سوريا ما يقارب 500 ألف لاجئ سوري من لبنان حتى كانون الثاني/يناير 2026، وفقاً لبيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين[1]. وقد اتخذ هؤلاء قرار العودة لأسباب متعددة ومترابطة، غالباً في ظل ضغوط مختلفة في بلدان اللجوء، وبالاستناد إلى معلومات محدودة وديناميكيات متغيرة داخل سوريا. عند عودتهم، وجد السوريون أنفسهم أمام واقع مختلف عن التوقعات، واضطروا إلى مواجهة الأوضاع الفعلية في البلد الذي فرّوا منه: سوريا لا تزال شديدة التشرذم على مستوى الحوكمة والأمن، وتعاني من أزمة اقتصادية عميقة، مع صعوبات حادة في تأمين الاحتياجات الأساسية مثل السكن والمياه والكهرباء وفرص العمل، إضافة إلى ضغوط اجتماعية وسياسية متعددة. وبالنسبة للكثيرين، أدّت هذه الظروف الهشة وغير المستقرة في سوريا إلى اتخاذ قرار العودة مجدداً إلى بلدان اللجوء، في أوضاع تتسم بتفاقم الهشاشة وانعدام الاستقرار.

من عوامل الطرد والضغوط في لبنان إلى قرارات عودة غير مستدامة

بالنسبة لأولئك الذين اتخذوا القرار الصعب والمعقّد بالعودة إلى سوريا من لبنان، جاء هذا القرار في سياق متقلب وديناميكي، وتحت تأثير عوامل طرد وضغوط كبيرة اضعفت   قدرتهم على اتخاذ قرار عودة يكون طوعياً ومستنيراً بشكل حقيقي. وقد أشار اللاجئون السوريون الذين قرروا العودة إلى سوريا إلى مجموعة من الضغوط والعوامل الدافعة التي شكّلت قرارهم. وشملت هذه العوامل سياسات قانونية متزايدة تقيد وتستهدف اللاجئين في لبنان، لا سيما فيما يتعلق بقدرتهم على تأمين السلع والخدمات الأساسية، والوصول إلى فرص عمل، والحد الأدنى من الأمان الشخصي، في ظل استهدافهم المتزايد ضمن حملات أمنية شملت التوقيف والاعتقال، وفرض حظر التجول وقيود على الحركة، وحملات الإخلاء القسري (أو التهديد بها)، إضافة إلى مناخ عام متصاعد من العداء للاجئين في لبنان، وهو ما أسهم في تعميق مشاعر الخوف والهشاشة[2]. وفي عام 2025، وثّق مركز وصول لحقوق الإنسان توقيف 941 لاجئاً سورياً، إضافة إلى الإخلاء القسري لـ 3,908 لاجئ سوري في لبنان[3]. كما شكّل الوضع الاقتصادي في لبنان عاملاً أساسياً دافعاً للعودة، حيث أشار اللاجئون إلى الارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة، بما في ذلك بدلات الإيجار، والمياه والكهرباء، والرعاية الصحية، إلى جانب التضخم المتزايد في أسعار السلع اليومية، وتراكم الديون الشخصية، وعدم القدرة على تسجيل الأطفال في المدارس، وندرة فرص العمل، والتمييز في الوصول إلى فرص العمل في قطاعات محددة. وكما قال أحد اللاجئين:” في لبنان، كانت الظروف أقوى منا وأجبرتنا على اتخاذ قرار العودة، مثل ارتفاع بدلات الإيجار وانعدام المساعدات… نحن نريد أن يستمر أطفالنا في التعليم… وكان هذا السبب الرئيسي الذي دفعنا إلى العودة“. وقد أصبحت هذه الضغوط أكثر وضوحاً مع مرور الوقت[4]، واتسمت بطابع متزايد الانتشار، لا سيما في ظل الانخفاض الكبيرة في المساعدات الإنسانية، خصوصاً في قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة.

في هذا السياق، عبّر العديد من اللاجئين عن شعور متزايد بالخوف واليأس في لبنان، واعتبروا أن الواقع السياسي الجديد في سوريا قد يفتح أمامهم فرصاً وإمكانات جديدة. وقد ساهم في تعزيز ضغوط العودة، إلى جانب محدودية المعلومات المتاحة حول الأوضاع داخل سوريا، تصاعد المخاوف من أن تستغل السلطات اللبنانية الظرف السياسي لتشديد الإجراءات بحق اللاجئين السوريين في لبنان، ولا سيما أولئك الذين يفتقرون إلى وثائق قانونية، و/أو أن تكون الإعفاءات التي يمنحها الأمن العام اللبناني مجرد نوافذ مؤقتة تتيح العودة إلى سوريا دون التعرض لإجراءات انتقامية أو تحمّل أعباء الغرامات المالية المرتفعة الناتجة عن تجاوز مدة الإقامة القانونية[5]. وفي هذا الإطار تم، تقييد امكانية القيام بزيارات” الذهاب والاطلاع“[6]، التي تتيح للسوريين العودة بشكل مؤقت إلى سوريا لتقييم الأوضاع واتخاذ قرارات أكثر اطلاعاً بشأن العودة، بشكل كبير في لبنان، حيث واجه اللاجئون الذين قاموا بهذه الزيارات تبعات إدارية جسيمة، من بينها فقدان صفة اللجوء وسحب تصاريح الإقامة في لبنان.

بالنسبة لبعض الذين كان بنيتهم العودة إلى سوريا بشكل نهائي، فقد وصفوا، عند وصولهم، ظروفاً صعبة وتحديات كبيرة في تأمين السلع والخدمات الأساسية، بما في ذلك السكن الآمن، نتيجة تدمير المنازل، أو عدم أمان المساكن التي تحتاج إلى إعادة إعمار جذرية، إضافة إلى الارتفاع الكبير في بدلات الإيجار[7]. وأوضح أحد اللاجئين قائلاً:” كانت زيارتي الأولى إلى سوريا [بعد سقوط نظام الأسد] صادمة… فالمنزل الذي تخيلت طوال حياتي أننا سنعود إليه لم يكن سوى أعمدة قائمة […] لقد كان كومة من الركام. عدت بعد شهرين على أمل أن يتحسن الوضع أو أن نجد حلاً، لكن لم يتغير شيء. بل على العكس، كان الوضع أسوأ مما توقعت“. كما أشار اللاجئون إلى أن الوصول المتقطع إلى الكهرباء والمياه والرعاية الصحية والتعليم، إلى جانب ارتفاع تكاليف المعيشة، والتضخم الحاد في أسعار السلع والخدمات اليومية، وندرة فرص العمل، جعل من المستحيل على العائدين تلبية حتى احتياجاتهم الأساسية.

العودة إلى لبنان – تفاقم الهشاشة ومخاطر الحماية

لطالما اتسم واقع النزوح وأنماط الحركة عبر الحدود اللبنانية-السورية بطابع متقلب، تحدده على مدى سنوات عوامل متعددة، من بينها الوصول إلى فرص العمل، والتجارة، والتعليم، والرعاية الصحية وغيرها. وبعد سقوط نظام الأسد، قام العديد من اللاجئين السوريين برحلات قصيرة ومؤقتة إلى سوريا؛ إذ سافرت عائلات لزيارة أقارب لم يتمكنوا من لقائهم وجهاً لوجه منذ سنوات، فيما عاد بعض الرجال السوريين لتقييم آفاق أسرهم، وعاد آخرون لأسباب طبية دون أي نية للعودة الدائمة. كما استخدم بعضهم معابر حدودية غير نظامية و/أو لجأوا إلى مهربين تمكنوا من العمل عبر الحدود نظراً لطبيعتها المسامية[8]. وبالنسبة لآخرين، لم تُعتبر الأوضاع في سوريا مستدامة أو مواتية لانتقال طويل الأمد، ما دفع كثيرين (على الرغم من صعوبة تأكيد الأعداد) إلى اتخاذ قرار العودة إلى لبنان. ولا يقتصر الإشكال على أن هذه الديناميكيات لا تُرصد بشكل فعّال في البيانات، مما يؤدي إلى تضخيم أعداد المغادرين من لبنان إلى سوريا، بل إن فهم الحركة على أنها أحادية الاتجاه يفشل أيضاً في استيعاب حقيقة أن السوريين، وعلى مدى عقود، اعتادوا عبور الحدود اللبنانية-السورية بشكل متكرر، وأحياناً موسمي، وبما يتلاءم مع الظروف الاقتصادية. وهي ديناميكية يُرجّح أن تستمر في ظل الحالة القائمة من عدم اليقين.

عند عودتهم إلى لبنان، أفاد اللاجئون بأنهم أصبحوا أكثر هشاشة بشكل ملحوظ مقارنة بوضعهم قبل مغادرتهم. وبالنسبة لأولئك الذين كانوا قد حصلوا سابقاً على صفة لاجئ – وهم نسبة محدودة لا تتجاوز 20% من اللاجئين في لبنان، نتيجة الضغوط التي مارستها الحكومة اللبنانية على المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين  والتي أدّت إلى تعليق منح صفة اللجوء – والذين اختاروا المشاركة في خطة العودة المدعومة من الأمم المتحدة، والتي تشترط إغلاق ملفاتهم لدى المفوضية فور عبورهم إلى سوريا، لا يزال من غير الواضح ما إذا كان بإمكانهم، عند عودتهم إلى لبنان، إعادة فتح هذه الملفات وضمان استمرار تمتعهم بصفة اللجوء والحقوق الدولية المرتبطة بها، بما في ذلك إعادة التوطين في بلدان ثالثة والمسارات التكميلية. أما بالنسبة لغالبية اللاجئين الذين لم تُمنح لهم هذه الصفة، فإن السوريين الذين عادوا إلى سوريا ثم عادوا مجدداً إلى لبنان يواجهون هشاشة مركّبة. فقد تخلى العديد منهم عن وظائفهم السابقة ولم يعد بإمكانهم الوصول إلى مساكنهم أو منازلهم المستأجرة، ما اضطرهم إلى الاعتماد على بدائل سكنية غير رسمية وشديدة الهشاشة، والبحث من جديد عن فرص العمل. كما وجد كثيرون أنفسهم في أوضاع مالية أكثر تدهوراً مما كانت عليه قبل عودتهم إلى سوريا، بعد أن اضطروا إلى بيع الأثاث والممتلكات لتغطية تكاليف الانتقال، إضافة إلى تكبّدهم نفقات مرتفعة مرتبطة بالرحلة إلى سوريا وتكاليف أخرى لازمة لدعم قرار العودة.

في مثل هذه الحالات، يصبح هؤلاء اللاجئون السوريون غير مرئيين ضمن آليات الحماية القائمة، ويبقون في وضع شديد الهشاشة معرّضين لمخاطر متزايدة من التوقيف أو الاحتجاز أو الترحيل، ولا سيما عند الحواجز الأمنية التي باتت أكثر انتشاراً وتشديداً. كما أفادت العائلات بوجود عوائق جسيمة أمام إعادة تسجيل الأطفال في المدارس والجامعات، إذ تُعدّ تصاريح الإقامة—التي غالباً ما تُسحب أو تُلغى عقب مغادرة لبنان—شرطا أساسياً للتسجيل في كل من المدارس الرسمية والخاصة، ما يؤدي عملياً إلى حرمان عدد كبير من الأطفال السوريين من حقهم في التعليم. إضافة إلى ذلك، فإن أوجه الهشاشة والاحتياجات الجديدة الناجمة عن موجات نزوح متجددة لا تنعكس بالضرورة بشكل كافٍ في معايير تقييم الهشاشة المعتمدة، ولا تُدرج بصورة ملائمة ضمن خطط وملخصات الاحتياجات الإنسانية، الأمر الذي يترك العديد من اللاجئين دون الحصول على الدعم الإنساني وخدمات الحماية التي هم بأمسّ الحاجة إليها.

الخلاصة

تركّزت النقاشات حول عودة اللاجئين بشكل أساسي على معالجة العوائق اللوجستية والعملية للعودة، واعتمدت بشكل مفرط على استطلاعات تصورات ونوايا تستند إلى عينات محدودة، وعلى افتراضات تفهم الحركة على أنها أحادية الاتجاه. وقد استُخدم هذا التركيز الضيق لتبرير التحوّل نحو استثمار ما تبقّى من المساعدات الإنسانية المتناقصة في برامج العودة، مع تجاوز نقاشات أوسع وأكثر شمولية تتعلق بالفجوات البنيوية والقانونية والسياسية والمؤسساتية الكبرى التي لا بد من معالجتها داخل سوريا لضمان أن تكون عودة اللاجئين طوعية وآمنة وكريمة ومستنيرة، وفقاً لمبادئ الحماية الدولية. وتُبرز هذه الديناميكيات المعقّدة محدودية السردية المبسّطة التي تفترض أن سوريا باتت آمنة للعودة وأن السوريين سيعودون مرة واحدة وإلى الأبد.

وعليه، ينبغي على الجهات الإنسانية والفاعلة في مجال الحماية أن تسعى إلى فهم أعمق لديناميكيات الحركة العابرة للحدود، وضمان استمرارية الحماية والدعم الإنساني للسوريين بغضّ النظر عن التنقلات المؤقتة أو الوضع القانوني، والدفاع عن الحفاظ على صفة اللجوء والإقامة القانونية في لبنان، والعمل على منع تكريس دورات جديدة من الهشاشة القانونية والاجتماعية والاقتصادية. وبالمثل، يجب توجيه الجهود نحو معالجة الأوضاع القانونية والأمنية والإنسانية والتنموية داخل سوريا، والتي لا يمكن دون تحسينها ضمان أن تكون العودة طوعية وآمنة وكريمة ومستنيرة بشكل حقيقي. فغياب الشروط الأساسية للأمان والاستدامة من شأنه أن يجعل مقاربات العودة الحالية عرضة لإعادة إنتاج عودة غير مستدامة، وإطلاق موجات نزوح جديدة، وتعميق عدم الاستقرار وتفاقم ضعف السوريين.


[1] UNHCR Protection sector Working Group, 20 January 2026.

[2] ACHR – Syrian Refugees Face Arrest, Disappearance, and Torture During UN-Supported Return Plan, 2 October 2025. See: https://achrights.org/en/2025/10/02/15965/

[3] Access Center For Human Rights (ACHR) – Internal Dashboard data collection system, 2025.

[4] The Lebanon Return Refugee Plan- From the Perspective of Syrian Returnees Engaging in the Return Program, 24 September 2025. See: https://achrights.org/en/2025/09/24/15951/

[5] Lebanese General Security Circular : https://www.general-security.gov.lb/ar/posts/490

[6] تُعتبر زيارات “الذهاب للاطلاع” معترف بها بموجب القانون الدولي للاجئين، ولا تُعدّ عودة طوعية، كما أنها لا تُبرّر من تلقاء نفسها سحب صفة اللجوء. ويواجه السوريون عقبات كبيرة لإعادة تسجيل أنفسهم لدى المفوضية وفتح ملف جديد عند عودتهم إلى لبنان.

[7] ACHR – Position paper – A practical barrier to voluntary, dignified and safe refugee returns and a key tenant in the future of justice and accountability in Syria, 20 January 2026.

See: https://achrights.org/en/2026/01/20/16188/

[8] ACHR Statement – One Year after the Lebanon-Israel War, 25 September 2025. See: https://achrights.org/en/2025/09/24/15943/