تواصل الهجمات الإسرائيلية على لبنان التسبب بعواقب إنسانية كارثية ودمار واسع النطاق للمنازل والبنية التحتية. وحتى تاريخ 24 أيار/مايو، أفادت وزارة الصحة العامة اللبنانية بأن الهجمات الإسرائيلية منذ 2 آذار/مارس أسفرت عن مقتل 3,151 شخصاً وإصابة 9,571 آخرين، مع توقعات بارتفاع هذا العدد بشكل كبير.1 كما صرّحت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) بأن «الأطفال في لبنان لا يزالون في صلب العنف المستمر والنزوح والتعرّض للأحداث الصادمة»، مشيرةً إلى مقتل ما لا يقل عن 200 طفل، من بينهم 59 طفلاً قُتلوا أو أُصيبوا خلال الأسبوع الماضي.2
شنت إسرائيل غارات جوية واسعة وعمليات برية في لبنان، ولا سيما داخل ما يُعرف بـ«الخط الأصفر» الذي يحدد مناطق الاحتلال في جنوب لبنان من قبل القوات الإسرائيلية.3 ويُعد هذا الخط، الذي أُنشئ عقب وقف إطلاق النار في 17 نيسان/أبريل، بمثابة منطقة إسرائيلية مُعلَنة من طرف واحد في جنوب لبنان، حيث يحتل الجيش الإسرائيلي بشكل غير قانوني نحو 6% من الأراضي اللبنانية4 (أي 608 كيلومترات مربعة و68 قرية على طول الحدود)، وقد حوّل عشرات القرى إلى «مناطق عازلة» عسكرية، دون أي جدول زمني لانسحاب القوات الإسرائيلية. في اليوم الأول من وقف إطلاق النار، أعادت إسرائيل إصدار أوامر تهجير قسري في تسع بلدات جنوب نهر الليطاني،5 وهي منطقة كانت بالفعل معزولة عن بقية البلاد نتيجة تدمير إسرائيل لجميع الجسور.6 كما حذّر الجيش الإسرائيلي السكان اللبنانيين من العودة إلى المناطق الواقعة جنوب الليطاني، وصرّح بأن أي شخص يقترب من الخط سيُعتبر “تهديداً”، ما زاد من المخاوف بشأن استمرار النزوح والاحتلال.7 لاحقاً، نفذت إسرائيل ووسّعت نطاق ضرباتها في العديد من هذه القرى، مع تدمير منهجي للمنازل المدنية وجعلها غير صالحة للسكن، ما أدى إلى مقتل أكثر من 800 شخص منذ بدء وقف إطلاق النار.8
وفقاً للمجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان، تسببت الغارات الجوية الإسرائيلية في تدمير أو إلحاق أضرار بأكثر من 10,000 منزل في مختلف أنحاء البلاد منذ وقف إطلاق النار.9 كما صرّح رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام مؤخراً بأن بلدة بنت جبيل في جنوب لبنان – وهي إحدى المدن التي فرضت عليها القوات الإسرائيلية حصاراً – «أصبحت نسخة من غزة».10 وقد أنشأت إسرائيل خطاً مشابهاً في غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2025، حيث كانت القوات الإسرائيلية تطلق النار بشكل روتيني على أي شخص يقترب من الخط، حتى وإن كان يحاول العودة إلى منزله، مع استمرار توسيع هذا الخط بشكل متكرر داخل الأراضي الفلسطينية.11 وامتدت أوامر التهجير الإسرائيلية تدريجياً لتشمل بلدات شمال نهر الليطاني، إضافة إلى أجزاء من البقاع، خارج نطاق منطقة الاحتلال الحالية، في استمرار لانتهاك وقف إطلاق النار.12 وتواصل مركز وصول لحقوق الإنسان متابعة الوضع.
الهجمات الإسرائيلية العشوائية في جنوب لبنان
في العمليات العسكرية السابقة في غزة ولبنان، أظهرت إسرائيل نمطاً من الهجمات التي تستهدف المدنيين، بما في ذلك اللاجئين، والبنية التحتية المدنية مثل المنازل والمستشفيات والمراكز الطبية، وهو ما يرقى إلى مستوى الهجمات العشوائية. ووفقاً للقانون الدولي، فإن الهجمات العشوائية هي تلك التي لا تكون موجهة إلى هدف عسكري محدد أو التي تستهدف المدنيين والأعيان المدنية دون تمييز، وبالتالي فهي محظورة.13
على سبيل المثال، في 13 أيار/مايو، استهدفت سلسلة من الضربات الإسرائيلية بطائرات مسيّرة عدة مركبات في بلدات برجا وجية والسعديات، بما في ذلك على طول طريق سريع رئيسي في لبنان، ما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 12 شخصاً، من بينهم امرأة وطفلاها.14 وفي 16 أيار/مايو، أسفر هجوم إسرائيلي على مركز للدفاع المدني في جنوب لبنان عن مقتل ستة أشخاص على الأقل، من بينهم ثلاثة مسعفين، وإصابة 22 آخرين.15 وعليه، فقد أثرت الهجمات الإسرائيلية بشكل مباشر على المناطق المدنية، كما طالت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، حيث قُتل ما لا يقل عن ستة من حفظة السلام وأُصيب العديد آخرون منذ 2 آذار/مارس.16 وبسبب حجم العنف الذي طال أفراد وقوافل اليونيفيل، دعا سفير الصين لدى الأمم المتحدة إلى مراجعة قرار مجلس الأمن الدولي بإنهاء ولاية بعثة حفظ السلام في لبنان.17
استخدمت إسرائيل أيضاً بشكل متكرر ما يُعرف بضربات «الدبل تاب» أو «التريبل تاب»، والتي تتضمن هجمات لاحقة تستهدف الموقع نفسه بعد وقت قصير من الضربة الأولى، وغالباً عندما يصل المسعفون وفرق الإنقاذ لتقديم المساعدة. وقد أثبتت هذه التكتيكات أنها شديدة الفتك في كل من غزة ولبنان. مؤخراً، قُتل اثنان من عناصر الدفاع المدني اللبناني في النبطية أثناء تنفيذهم مهمة إنقاذ عقب ضربة سابقة. وفي حادثة أخرى، أُصيب اثنان من فرق الإنقاذ في بلدة تول أثناء استجابتهما لهجوم سابق على الموقع نفسه. كما تأثرت البنية التحتية الطبية بشكل كبير بهذه الهجمات. فقد تعرض مستشفى تبنين، وهو المستشفى الوحيد العامل في جنوب لبنان، لعدة ضربات من القوات الإسرائيلية، بما في ذلك هجوم ثلاثي حديث أدى إلى مقتل عاملين في القطاع الصحي.18 كما أفاد أطباء في لبنان بالعثور على شظايا من كرات التنغستن نفسها، التي تسبب إصابات داخلية خطيرة، والتي سبق توثيقها في إصابات مدنيين في غزة، لدى جرحى في لبنان.19
علاوة على ذلك، وبموجب القانون الدولي الإنساني، فإن التدمير المتعمد والمفرط للممتلكات المدنية في غياب ضرورة عسكرية يُعد جريمة حرب.20 وفي جنوب لبنان، انخرطت إسرائيل في عمليات تدمير واسعة النطاق، لا سيما في المناطق التي مُنع المدنيون من الوصول إليها، والتي تعرّض فيها من حاولوا العودة، بمن فيهم السكان والصحفيون وعمال الإنقاذ، للهجوم أو القتل. وقد نفذت القوات الإسرائيلية حملات هدم باستخدام المتفجرات والجرافات، ما أدى إلى تدمير قرى بأكملها.21 وأسفرت هذه العمليات عن تدمير أكثر من 27,000 منزل، و182 مبنى عاماً، و35 مدرسة، وتسعة معالم تاريخية بشكل كامل نتيجة الغارات الإسرائيلية، بينما تضرر أو تأثر ما يقارب 100,000 منزل منذ 2 آذار/مارس.22 كما أن الطابع المتكرر والمنهجي لأوامر التدمير والتهجير القسري يمنع المدنيين أيضاً من العودة أو حتى التحقق مما إذا كانت منازلهم ما زالت قائمة.
وضع اللاجئين السوريين في لبنان
أثرت الضربات الإسرائيلية بشكل مباشر على اللاجئين السوريين، لا سيما في المناطق الجنوبية على طول نهر الليطاني حيث تتمركز العديد من مجتمعات اللاجئين، وحيث تواصل القوات الإسرائيلية احتلال القرى وتنفيذ عمليات عسكرية.
وثّق فريق مركز وصول لحقوق الإنسان الميداني عدة حالات للاجئين سوريين قُتلوا وأُصيبوا خلال الأسابيع الأخيرة. ففي 2 أيار/مايو، استهدفت ضربة بطائرة مسيّرة إسرائيلية مركبة تقل عمالاً سوريين في بلدة زوطر الشرقية، ما أدى إلى مقتل ثلاثة لاجئين وإصابة خمسة آخرين. وفي 4 أيار/مايو، أفادت تقارير محلية بمقتل عائلة سورية كاملة في غارة استهدفت مركبة أثناء محاولتهم الفرار من منطقة زوطر الغربية، فيما لم تتمكن فرق الإسعاف من الوصول إلى الموقع لعدة أيام بسبب الوضع الأمني. وفي 9 أيار/مايو، أعلنت وزارة الصحة اللبنانية مقتل لاجئ سوري وإصابة ابنته بجروح خطيرة إثر ضربة بطائرة مسيّرة في النبطية. وبعد أيام قليلة، في 12 أيار/مايو، قُتل لاجئ سوري آخر وأصيبت زوجته خلال غارة على بلدة طير دبّا.
تجري هذه الهجمات أيضاً في سياق أوسع من القيود المتزايدة والإجراءات الأمنية التي تفرضها السلطات اللبنانية على اللاجئين السوريين. بين 10 و17 نيسان/أبريل، واجه اللاجئون السوريون تحديات مستمرة تتعلق بالوثائق القانونية الأساسية، بما في ذلك انتهاء صلاحية الإقامة، والوضع غير النظامي، ونقص الوثائق. وفي مختلف مناطق البقاع والشمال، يتجنب اللاجئون غير الحائزين على إقامة قانونية التنقل بسبب الحواجز ونقاط التفتيش والإجراءات الأمنية التي تحد من قدرتهم على الوصول إلى الخدمات أو استكمال الإجراءات القانونية. وفي عكار، تطلب البلديات من الوافدين الجدد التسجيل وإبراز وثائق الهوية، بينما أفاد لاجئون سوريون في مناطق أخرى بالخوف من الاعتقال أو الترحيل عند نقاط التفتيش. ونتيجة لذلك، غالباً ما يقتصر التنقل على الحالات الطارئة، ما يؤثر بشكل مباشر على الوصول إلى الخدمات. كما أثرت هذه العوائق أيضاً على تسجيل الوثائق المدنية في الشمال، حيث أصبحت المتطلبات الإجرائية أكثر تشدداً. وقد سُجلت حالات لم يتم فيها تسجيل شهادات الميلاد لعدم توفر حضور أحد الوالدين.
وبالمثل، تكثفت إجراءات التفتيش على الحواجز، لا سيما في منطقتي البقاع وبعلبك–الهرمل، بما في ذلك حواجز حربتا والمحطة في الهرمل، وكذلك حواجز دير عمار وشدرا في شمال لبنان. وثّقت فرق ميدانية تابعة لـمركز وصول لحقوق الإنسان حالات اعتقال وترحيل للاجئين سوريين من قبل الأمن العام اللبناني مرتبطة بانتهاء صلاحية الإقامة أو الدخول غير النظامي إلى لبنان. وبعد الترحيل، أفاد عدد من العائدين بتعرضهم لسوء معاملة عند المعابر الحدودية من قبل الأمن العام اللبناني، بما في ذلك الضرب، إضافة إلى فرض غرامات وحالات منع دخول مؤقت أو دائم.
في الوقت نفسه، أعلنت المديرية العامة للأمن العام اللبناني تمديد مهلة تسوية أوضاع العمال الأجانب المخالفين حتى 30 حزيران/يونيو 2026، مع التحذير من أن حملات تفتيش وتدابير تنفيذية أوسع ستتبع انتهاء المهلة.23 ومع ذلك، بين 13 و17 أيار/مايو، أفاد عمال سوريون بتلقيهم بالفعل استدعاءات من مراكز تابعة للأمن العام اللبناني، حيث تم توقيف بعضهم لساعات، ومصادرة وثائق الهوية والإقامة الخاصة بهم، وإحالتهم إلى التحقيق في مقر الأمن العام في بيروت. وقد أدت هذه التطورات إلى حالة واسعة من الخوف والقلق بين اللاجئين السوريين في لبنان، لا سيما في ظل قيام التصعيد الأمني والعسكري بتعطيل سبل العيش وفرص الدخل لكل من المواطنين اللبنانيين واللاجئين والعمال المهاجرين على حد سواء، مع انسحاب أصحاب العمل من قطاعات مثل البناء والزراعة والأعمال اليومية.
النزوح والحركة عبر الحدود والعودة
رغم وقف إطلاق النار، يستمر النزوح، مع استمرار إجبار العائلات اللبنانية والمهاجرين واللاجئين على الفرار. وقد وجدت العديد من العائلات من جنوب لبنان التي حاولت العودة بعد أسابيع أو أشهر من النزوح أن منازلها مدمرة أو متضررة، وتواجه انعدام الأمن، وانقطاع الكهرباء والمياه، وتقييداً في الوصول إلى الخدمات الأساسية مثل الرعاية الصحية والمدارس. وحتى تاريخ 15 أيار/مايو 2026، لا يزال أكثر من 1.3 مليون شخص نازحين داخلياً في لبنان. ورغم أن الغالبية تقيم خارج المواقع الرسمية، فإن النزوح الثانوي نحو الملاجئ أدى إلى ارتفاع بنسبة 13% في إشغال هذه الملاجئ منذ وقف إطلاق النار.24 واعتباراً من 14 أيار/مايو، أفادت حكومة لبنان بأن أكثر من 130,000 شخص يقيمون في 634 ملجأً جماعياً.25
وبالمثل، شهدت الحركة عبر الحدود من لبنان إلى سوريا زيادة نتيجة الهجمات الإسرائيلية. ولا تزال هذه الهجمات تدفع مزيداً من التحركات عبر الحدود من لبنان إلى سوريا. ووفقاً للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، عبر أكثر من 277,000 شخص إلى سوريا عبر ثلاثة معابر حدودية رسمية بين 2 آذار/مارس و12 نيسان/أبريل، من بينهم الغالبية الساحقة من السوريين بنحو 234,000 شخص (بمن فيهم لاجئون كانوا قد لجأوا سابقاً إلى لبنان)، إضافة إلى نحو 43,000 لبناني فرّوا من القصف الإسرائيلي العنيف.26
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأرقام لا تشمل العديد من النازحين الذين عبروا عبر طرق غير رسمية.
من المهم الإشارة إلى أن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) أعلنت أنها ستواصل دعم اللاجئين الراغبين في العودة. ففي 1 نيسان/أبريل 2026، أطلقت المفوضية خطة للعودة بسبب حالة القوة القاهرة، وقدمت، حتى 17 نيسان/أبريل، الدعم لـ 4,500 شخص من خلال خدمات الإرشاد ومساعدة نقدية للعودة بقيمة 100 دولار لكل فرد عائد.27 ومع ذلك، تشير أحدث دراسة استقصائية للمفوضية إلى أن 68% من اللاجئين السوريين الذين عادوا بين حزيران/يونيو وكانون الأول/ديسمبر 2025 كانوا قد صرّحوا في حزيران/يونيو 2025 بأنهم لا ينوون العودة خلال الأشهر الاثني عشر التالية. ويُظهر ذلك أن حركات العودة تتأثر بتدهور سريع في الأوضاع الأمنية والإنسانية، حيث يعود العديد من الأشخاص إلى ظروف لا ترقى إلى معايير السلامة والكرامة والطوعية.