بيروت-باريس
06 يوليو/تموز 2026
الملخص التنفيذي
ينطلق هذا التقرير من فجوة قانونية وحقوقية متنامية بين خطاب أوروبي رسمي يتجه نحو تسريع عودة اللاجئين السوريين، وواقع ميداني في سوريا لا يزال يحمل معظم مقومات الخطر التي أنتجت موجة اللجوء الأصلية. فسقوط نظام الأسد، الذي قُدّم في الأوساط السياسية الأوروبية كحدث يُسوّغ تلقائيًا إعادة تصنيف سوريا “بلدًا آمنًا”، لا يوجد ما يدعمه في المعطيات والوقائع الميدانية الموثوقة، والتي تعكس بواقعية تواصل أعمال العنف الانتقامي والاعتقال التعسفي وغياب أي بنية قضائية أو مؤسسية قادرة على حماية العائدين، إلى جانب حالة من عدم الاستقرار الاقتصادي وتراجع الخدمات، بما يجعل الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي بعيد المنال في مساحات واسعة من البلاد.
يُظهر التقرير بأن هذا التباين يعكس تحولًا سياسيًا بنيويًا أكثر مما يعكس إخفاقًا في التقدير الأمني: صعود اليمين المتطرف وتمدد خطابه إلى صلب الأحزاب التقليدية أعاد تشكيل أولويات السياسة الأوروبية، ووجد ترجمته القانونية في الميثاق الأوروبي الجديد للهجرة واللجوء الذي دخل حيز التنفيذ هذا الشهر، بما يحمله من تسريع لإجراءات الفحص الحدودي وتوسيع لآليات العودة. يكمن جوهر الإشكالية القانونية التي يعرضها التقرير: فالقضاء الأوروبي ذاته، عبر اجتهادات محكمة العدل الأوروبية والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، أسس مبدًا صارمًا يحظر سحب الحماية الدولية إلا إذا زالت أسبابها زوالًا جوهريًا ومستقرًا، ويحظر الترحيل أو الإعادة القسرية نحو أي بيئة تنطوي على خطر التعرض للتعذيب أو المعاملة اللاإنسانية، بصرف النظر عن الوضع القانوني للفرد أو سجله الجنائي. وعلى هذا الأساس، يخلص التقرير إلى أن السياسات الأوروبية الراهنة التي تستعجل العودة استنادًا إلى افتراض سياسي مجرد بزوال الخطر، دون تقييم فردي دقيق للحالة الأمنية والاقتصادية الفعلية، تخالف هذا الإطار الدستوري والقضائي، وتقترب في كثير من الحالات من صورة “إعادة قسرية مقنّعة” تتحمل الدول المُرحِّلة تبعاتها القانونية الكاملة. ويوصي التقرير، بناءً على ذلك، بإعادة وضع “العودة” في سياقها الصحيح كخيار مشروط وليس أولوية مطلقة، عبر توسيع معايير التقييم لتشمل العوامل الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية في سوريا، والإقرار بأن جزءًا كبيرًا من اللاجئين السوريين أصبحوا مندمجين فعليًا في مجتمعات الاستقبال، بما يستوجب مقاربة أوروبية أكثر توازنًا تجمع بين الاعتبارات الأمنية ومتطلبات الحماية الدولية وحقوق الإنسان.
المنهجية
تعتمد هذه الدراسة على منهجية بحث قانوني نوعي تجمع بين التحليل القانوني النظري والبيانات التجريبية المستمدة من العمل الميداني. ويستند الجانب القانوني إلى تحليل إطاري شامل لنظام اللجوء والهجرة في الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك اللوائح ذات الصلة، والوثائق السياسية، والتفسيرات القضائية الصادرة ضمن النظام القانوني للاتحاد الأوروبي. وقد تم التركيز بشكل خاص على المواد الرسمية والأحكام والقرارات المتاحة عبر المنصات المؤسسية للاتحاد الأوروبي، والتي توفر فهمًا مرجعيًا لتفسير وتطبيق معايير اللجوء داخل النظام القانوني الأوروبية.
بالإضافة إلى ذلك، يتضمن التقرير مقابلات نوعية أُجريت مع ثلاثة من اللاجئين السوريين الذين تقدموا بطلبات لجوء في دول أوروبية مختلفة، ثم رُفضت طلباتهم في مرحلة ما بعد سقوط النظام، فضلًا عن مقابلة ناشط سوري متخصص في شؤون الهجرة واللجوء، وذلك بهدف الوقوف بصورة أكثر دقة وموضوعية على الأوضاع الاجتماعية والقانونية للسوريين في عدد من الدول الأوروبية. وقد استُخدمت هذه المقابلات بهدف دعم التحليل القانوني من خلال تقديم شهادات وتجارب معيشية مرتبطة بإجراءات اللجوء، ولا سيما فيما يتعلق بالعدالة الإجرائية، وتقييم احتياجات الحماية، والعوائق المتصورة داخل أنظمة اللجوء الوطنية والأوروبية. ويتيح الجمع بين التحليل القانوني والبيانات النوعية اعتماد مقاربة تربط بين الأطر القانونية المعيارية وانعكاساتها العملية على الأفراد المعنيين.
المقدمة
شهدت السنوات الأخيرة تحولات عميقة في سياسات اللجوء والهجرة داخل الاتحاد الأوروبي، انعكست بصورة خاصة على أوضاع اللاجئين السوريين الذين شكلوا، منذ اندلاع النزاع في سوريا عام 2011، إحدى أكبر مجموعات طالبي الحماية الدولية في أوروبا. فبعد أن قدم الاتحاد الأوروبي نفسه خلال السنوات الأولى للنزاع بوصفه إطارًا قائمًا على مبادئ الحماية الدولية واحترام الالتزامات الناشئة عن اتفاقية جنيف لعام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، والتشريعات الأوروبية الناظمة للجوء، أخذت ملامح هذا النهج تتغير تدريجيًا خلال العقد الأخير. وقد تزامن هذا التحول مع تصاعد الخطابات الشعبوية، وتنامي نفوذ الأحزاب اليمينية المتطرفة، وتزايد الضغوط السياسية الداخلية المرتبطة بقضايا الهجرة والاندماج والأمن، الأمر الذي انعكس على السياسات العامة والخطاب الرسمي تجاه اللاجئين.
وشكل سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر عام 2024 نقطة مفصلية في النقاش الأوروبي حول مستقبل الحماية الممنوحة للسوريين. فقد بادرت عدة دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى إعادة تقييم أوضاع الحماية القائمة، وتعليق أو مراجعة بعض طلبات اللجوء، واستحداث إجراءات قانونية وإدارية تمهد لتوسيع سياسات العودة، استنادًا إلى افتراض مفاده أن التغيير السياسي في سوريا يؤدي تلقائيًا إلى زوال الأسباب التي دفعت ملايين السوريين إلى طلب الحماية الدولية. إلا أن هذا الافتراض، الذي بدأ ينعكس بصورة متزايدة في السياسات والممارسات الأوروبية، يثير تساؤلات قانونية وحقوقية جوهرية حول مدى استناده إلى تقييم موضوعي ومستدام للواقع السوري، وحول مدى توافقه مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي للاجئين.
ومن خلال أهمية رصد أوضاع اللاجئين العائدين والانتهاكات التي يتعرضون لها، من المهم متابعة التحولات الجارية في المقاربة الأوروبية تجاه اللاجئين السوريين، لا سيما في ظل استمرار حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي في سوريا، وغياب الضمانات المؤسسية والقضائية الكفيلة بحماية حقوق العائدين. وتشير المعطيات الميدانية والشهادات الموثقة إلى أن العديد من العوامل التي أسست للحاجة إلى الحماية الدولية لم تُنفى بصورة كاملة، وأن مخاطر متعددة لا تزال تهدد فئات واسعة من السوريين داخل البلاد من ضمنهم اللاجئين العائدين، بما في ذلك مخاطر الاعتقال التعسفي، وانعدام الحماية القانونية الفعالة، وتدهور الأوضاع المعيشية والخدمية.
ينطلق هذا التقرير من إشكالية رئيسية تتمثل في تقييم مدى انسجام التحولات السياسية والتشريعية الراهنة داخل الاتحاد الأوروبي مع الالتزامات القانونية الملزمة للدول الأعضاء بموجب القانون الأوروبي والدولي. كما يسعى إلى تحليل الفجوة المتنامية بين الخطاب السياسي الداعي إلى تقليص الحماية وتعزيز العودة من جهة، والواقع القانوني والإنساني الذي لا يزال يفرض استمرار الحاجة إلى الحماية بالنسبة لعدد كبير من السوريين من جهة أخرى.
لتحقيق هذه الغاية، يستعرض التقرير الإطار القانوني والدستوري لمنظومة اللجوء الأوروبية، والدور الذي يضطلع به القضاء الأوروبي، بما في ذلك محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، في صون حقوق طالبي اللجوء واللاجئين. كما يتناول أثر التحولات السياسية وصعود اليمين المتطرف على توجهات التشريع والسياسات الأوروبية، مع التركيز على تجربتي ألمانيا والسويد كنموذجين يعكسان الانتقال من سياسات الاستقبال والحماية إلى سياسات إعادة التقييم والعودة. وفي المقابل، يعرض التقرير تقييمًا للأوضاع الراهنة في سوريا استنادًا إلى المعطيات الميدانية المتاحة، بهدف إبراز مدى واقعية الافتراضات التي تستند إليها سياسات العودة الأوروبية، والكشف عن المخاطر والانتهاكات المحتملة التي قد يتعرض لها العائدون. وفي هذا السياق، لا يهدف التقرير إلى تقييم التحولات السياسية في سوريا بحد ذاتها، بل إلى فحص آثارها على حقوق اللاجئين السوريين وعلى التزامات الدول الأوروبية تجاههم، انطلاقًا من مبدأ أساسي مفاده أن إنهاء الحماية الدولية لا يمكن أن يستند إلى افتراضات سياسية مجردة، بل يجب أن يقوم على تقييم فردي ودقيق ومستند إلى وقائع موضوعية تضمن احترام مبدأ عدم الإعادة القسرية والحقوق الأساسية المكفولة بموجب القانون الدولي والقانون الأوروبي.
لقراءة التقرير كاملًا، يرجى تحميله او زيارة صفحة التقرير: