بيروت – باريس
تقرير يناقش الانتهاكات الواقعة على الموقوفين والمحتجزين والسجناء من اللاجئين السوريين في السجون اللبنانية خلال إجراءات المحاكمات غير العادلة
الملخص التنفيذي
صدر هذا التقرير عن مركز وصول لحقوق الإنسان (ACHR)، ويأتي في هذا التوقيت تحديداً ليوثّق، في ضوء إقرار مجلس النواب اللبناني قانون العفو العام (القانون رقم 70/2026) في آب/أغسطس 2026، الانتهاكات التي كانت تُرتكب بحق الموقوفين والمعتقلين والسجناء من اللاجئين السوريين في السجون اللبنانية خلال السنوات التي سبقت هذا القرار، سواء في إطار إجراءات محاكمات غير عادلة أو خلال فترات الاحتجاز المؤقت.
غير أن المجلس الدستوري اللبناني أصدر، بتاريخ 10 أيلول/سبتمبر 2026، القرار رقم 10/2026 القاضي بوقف مفعول القانون رقم 70/2026 إلى حين البت بالطعن المقدَّم ضده، وهو ما يعني تعليق تنفيذ أحكام العفو وعدم الإفراج عن المستفيدين منه أو خفض عقوباتهم في الوقت الراهن. وفي ضوء هذا التطور، تكتسب هذه الورقة أهمية مضاعفة: فهي من جهة توثّق الظروف والممارسات التي عاشها المحتجزون طوال المرحلة السابقة لصدور قانون العفو، ومن جهة أخرى تُبقي هذا الملف حاضراً وملحّاً في ظل حالة عدم اليقين القانوني الراهنة التي يعيشها المحتجزون، الذين لم يستفيدوا حتى الآن من أي إفراج أو تخفيف فعلي لعقوباتهم
تُظهر الورقة أن اللاجئين السوريين في لبنان تعرّضوا، خلال هذه المرحلة، للاعتقال التعسفي والتعذيب من قبل الأجهزة الأمنية، لا سيما في أعقاب أحداث عرسال في آب 2014، حين تصاعدت وتيرة تلك الانتهاكات بشكل واضح واستمرت طوال السنوات اللاحقة عبر متابعات أمنية واعتقالات تعسفية استند بعضها إلى تهم لم تُثبَت وفق الإجراءات القانونية الواجبة. وقد طالت هذه الانتهاكات في بعض الحالات لاجئين قاصرين تعرّضوا للتعذيب، ليُحاكَموا لاحقاً بتهم من بينها الإرهاب أو الانتماء إلى جماعات مسلحة.
توثّق هذه الورقة الظروف القاسية السائدة في أماكن الاحتجاز، وأساليب التحقيق والاستجواب المتّبعة، ونتائج المحاكمات غير العادلة التي لم تكن تستند إلى أدلة قاطعة، إلى جانب حرمان المحتجزين من حقوقهم الأساسية داخل أماكن الاحتجاز والتوقيف الاحتياطي، كحق توكيل محامٍ أو طلب الاستشارة القانونية على نفقتهم الخاصة، وحق الاتصال بذويهم، والحصول على الرعاية الطبية.
وتكتسب هذه الورقة أهميتها من كونها استكمالاً لما سبق أن وثّقه المركز في تقارير سابقة من انتهاكات حقوق الإنسان بحق اللاجئين السوريين، إذ ظل التعذيب وإساءة المعاملة وأساليب الاعتقال والاحتجاز التعسفي من أبرز القضايا التي رصدها المركز وتابعها على مدى سنوات، وصولاً إلى هذه المرحلة التي يشهد فيها لبنان جدلاً تشريعياً ودستورياً حول مصير قانون العفو ذاته.
فبالرغم من استقبال لبنان أعداداً كبيرة من اللاجئين السوريين، فإن الإجراءات والسياسات التي اعتمدتها السلطات اللبنانية في التعامل مع ملف اللجوء السوري، طوال تلك المرحلة، لم ترقَ إلى المستوى المطلوب لضمان حمايتهم وأمانهم وصون كرامتهم. فمنذ بدء موجات النزوح إلى لبنان، لم تلتزم الأجهزة الأمنية، والدولة اللبنانية، بتحمّل مسؤولياتها بما ينسجم مع التزاماتها بموجب القوانين المحلية والاتفاقيات الدولية.
فقد كان حرمان معظم المحتجزين من اللاجئين السوريين من حق توكيل محامٍ أثناء إجراءات التحقيق يُقيّد قدرتهم على الدفاع عن أنفسهم أو الطعن في احتجازهم، يُضاف إلى ذلك انتظارهم فترات مطوّلة قبل مثولهم أمام قاضي التحقيق دون مسوّغ قانوني، في حين كانوا يظلون في نظر القانون أبرياء. وقد شكّل ذلك انتهاكاً صريحاً لمعايير المحاكمة العادلة، وهو ما تسعى هذه الورقة إلى توثيقه بوصفه جزءاً من السجل الذي ينبغي أن يُبنى عليه أي مسار مساءلة أو إصلاح لاحق، بصرف النظر عن مصير قانون العفو القانوني في نهاية المطاف.
كما كان يتعيّن على السلطات اللبنانية مراعاة المتطلبات المتعلقة بالأوضاع الصحية للموقوفين والمعتقلين والسجناء من اللاجئين داخل مراكز الاحتجاز والتوقيف الاحتياطي، إذ إن إيداعهم في بيئات غير نظيفة وتفتقر إلى الشروط الصحية السليمة كان أمراً غير مقبول، وهي ظروف توثّقها هذه الورقة بوصفها جزءاً من الواقع الذي سبق صدور قانون العفو، والذي لا يزال قائماً بالنسبة لمعظم المحتجزين في ظل تعليق العمل بالقانون.
وفي ضوء ما تقدّم، ترى الورقة أن قانون العفو العام، وإن كان يحمل في طياته إمكانية تحقيق مكسب إنساني لعدد من المحتجزين، لا يزال حتى تاريخ صدور هذه الورقة معلّق التنفيذ بقرار من المجلس الدستوري، وهو ما يُبقي واقع المحتجزين كما كان قبل صدوره. وبصرف النظر عن مآل الطعن المقدَّم أمام المجلس الدستوري، يبقى لزاماً على السلطات اللبنانية احترام القوانين المحلية والدولية الملزمة لها، والحدّ من إجراءات الاعتقال التعسفي بحق اللاجئين السوريين، وتأمين الحماية لهم وصون كرامتهم، ووقف ممارسات التعذيب وسائر ضروب المعاملة السيئة، وعدم التهاون في محاسبة مرتكبي جرائم التعذيب وفق القانون.
ونقترح على الاتحاد الأوروبي والدول الداعمة والجهات المانحة، في ظل حالة عدم اليقين القانوني المحيطة بملف العفو، إنشاء آلية رقابة مستقلة لتقييم استجابة السلطات اللبنانية في معالجة إرث انتهاكات الاعتقال التعسفي والتعذيب بحق اللاجئين السوريين، بما يشمل متابعة مسار الطعن الدستوري ونتائجه، وضمان عدم استخدام حالة التعليق القانوني ذريعةً لتأجيل أي إصلاح فعلي. ونؤكد على ضرورة دعم الاتحاد الأوروبي والدول الداعمة لعمليات المناصرة والضغط على لبنان للالتزام بالشرعة الدولية لحقوق الإنسان، وإشراك منظمات المجتمع المدني في عمليات المراقبة. كما نوصي بتعزيز دور الدول الداعمة في رصد انتهاكات لبنان للاتفاقيات والمعاهدات الدولية، وتكثيف التواصل الفعّال مع منظمات المجتمع المدني المعنية.
منهجية البحث
يبدأ مركز وصول لحقوق الإنسان (ACHR) مرحلة التوثيق بتقديم أفراد الفريق لبياناتهم الشخصية بهدف كسب ثقة الضحايا، والتعريف بالعلاقات الوسيطة التي أسهمت في تيسير التواصل، والتعريف بالمركز، وآلية عمله ونطاقه. تغطي عملية التوثيق الواردة في هذه الورقة الحالات التي وقعت خلال المرحلة السابقة لصدور قانون العفو العام (القانون رقم 70/2026) في آب/أغسطس 2026، بما يجعل منها سجلاً يوثّق واقع المحتجزين قبل هذا القرار.
ويكتسب هذا التوثيق أهمية إضافية بعد أن أصدر المجلس الدستوري اللبناني، بتاريخ 10 أيلول/سبتمبر 2026، قراراً بوقف مفعول القانون رقم 70/2026 إلى حين البت بالطعن المقدَّم ضده، ما يعني أن واقع المحتجزين الذي توثّقه هذه الورقة لا يزال هو الواقع القائم فعلياً حتى تاريخ إعداد هذه الورقة، ويظل السجل قابلاً للاستخدام لاحقاً في متابعة مآل الطعن الدستوري وأوضاع من قد يستفيدون من العفو إذا ما أُقرّ نهائياً، أو من قد لا يشملهم. كما يحرص الفريق على التأكيد على التزامه بمبادئ العمل المنصوص عليها في سياسات العمل الداخلية، بما فيها سرية المعلومات وحفظ البيانات، والحصول على موافقة مسبقة من الضحية على الإفصاح عن المعلومات.
يُحدَّد نطاق التواصل شخصياً أو عبر وسائل تواصل آمنة مشفّرة و/أو مفتوحة المصدر، وذلك وفقاً لمدى احتمالية تعرّض فريق العمل والضحايا و/أو ذويهم لمخاطر أمنية، ووفقاً لما إذا كانت المعلومات قابلة للتداول عبر الاتصال الصوتي. وفي أغلب الأحيان يُجري فريق العمل اتصالاً عبر إحدى وسائل التواصل الآمنة للحصول على المعلومات الأولية وتمهيداً لإجراء المقابلة وبناء علاقة تواصل مباشرة مع الضحايا أو ذويهم.
يلتزم فريق العمل في جميع المقابلات باستخدام وسائل الاتصال الآمنة للحفاظ على أمان الضحايا وخصوصيتهم، والتعهد بعدم نشر البيانات الشخصية دون تفويض مباشر، والاحتفاظ بسرية القوائم المعلوماتية، وحماية سرية المصادر سواء كانت بيانات أشخاص أو أدلة مادية أو عينية، والالتزام بمعايير الأمان المتعلقة بحفظ المعلومات وأرشفتها في خوادم آمنة يقتصر الوصول إليها على أفراد محددين داخل فريق عمل المركز.
تعتمد المقابلات على قائمة موحّدة من الأسئلة الواردة في استبيانات مُعدّة مسبقاً من قبل فريق العمل بالاستناد إلى آليات التوثيق الدولية واستمارة الأمم المتحدة المعتمدة للتسجيل والإبلاغ عن الانتهاكات، وذلك بلغة المُقابَلين الأصلية، ودون أي مقابل مادي أو معنوي. ويُستعان بطبيب شرعي في بعض الحالات لتوثيق أوضاع الضحايا الذين تعرضوا لانتهاكات جسيمة نفسية و/أو جسدية، إما بطلب مباشر من الضحايا أنفسهم أو بناءً على تقييم فريق العمل للحالة.
في جميع عمليات الرصد والتوثيق والمراجعة، يتخذ الفريق احتياطات خاصة لتقييم المعلومات المرصودة والموثقة وترتيبها من حيث مصداقيتها ودقتها، وذلك بالتحقق من: مصادر المعلومات الأساسية والثانوية، ومستوى التفاصيل الدقيقة، ووجود التناقضات، وغياب أو وجود عناصر تدعم الانتهاك أو تدحضه وتاريخ وقوعه و/أو تسجيله، والجهة المسؤولة عنه.
يعتمد المركز في عمليات التوثيق على تعريفات الانتهاكات المعتمدة لدى مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ومعاييرها المتضمّنة “الدقة” و”الموضوعية” و”الحياد”، بوصفها ركائز أساسية في عمليات التوثيق وإعداد الأوراق البحثية والتقارير.
تواجه عملية الرصد والتوثيق تحديات عديدة في السياق اللبناني، لا سيما المخاطر الأمنية التي يتعرض لها العاملون في مجال حقوق الإنسان. لذلك، تجدر الإشارة إلى أن جميع جهود فريق العمل في رصد الانتهاكات وتوثيقها إنما تعكس القيم الإحصائية لما أمكن التوصل إليه خلال الفترة التي سبقت صدور قانون العفو، وتظل قاصرة عن الإحاطة بجميع الانتهاكات عبر عينات عشوائية ممثِّلة علمياً. غير أنها، على الرغم من ذلك، تُسهم في إيضاح الأنماط العامة التي سادت تلك المرحلة، وتوجيه الأنظار إلى حجم الانتهاكات الممنهجة الواقعة على اللاجئين خلالها، في ظل القيود الأمنية والاقتصادية المتراكمة، بما يوفر خلفية ضرورية لفهم السياق الذي صدر فيه قانون العفو، ولمتابعة تبعات وقف العمل به .
المقدمة
مع اندلاع الثورة السورية عام 2011 وتحوّل الاحتجاجات السلمية إلى نزاع مسلح، نزح إلى لبنان بحكم الجغرافيا أعدادٌ كبيرة من اللاجئين السوريين هرباً من القتل والدمار الذي فتك بمناطقهم وأرزاقهم وممتلكاتهم وأرواحهم قرابة ثلاثة عشر عاماً. وقد استضاف لبنان خلال ذلك ما يقارب مليوني نازح في ذروة موجات النزوح. وبسبب غياب التنظيم الرسمي من قِبَل الأجهزة الحكومية لموجات النزوح، لم تتوفر أرقام دقيقة لأعداد هؤلاء النازحين، غير أن التقديرات أشارت إلى أن عدد اللاجئين السوريين في لبنان بلغ نحو 1.8 مليون شخص، من بينهم قرابة 880 ألفاً مسجّلون لدى مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، وذلك وفق إحصاءات عام 2025، وبدأت الأعداد تنخفض سنويًا.
وقد تزامنت أزمة النزوح السوري إلى لبنان مع تداعيات اقتصادية حادة، تجلّت في الانهيار الاقتصادي الذي شهده لبنان عام 2019 والذي وُصف بأنه من الأشد عالمياً، ثم تبعه وباء كوفيد-19، ثم انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب 2020. وقد اكتنفت هذه الأحداث توترات أمنية في بعض المناطق اللبنانية أخذت في بعض أوجهها طابعاً طائفياً، نتيجة تأثر لبنان الطبيعي بطبيعة الأحداث الدائرة في سوريا. وقد أدى كل ذلك إلى إضعاف الدولة على الصعيد الإداري والأمني والاقتصادي، كما أسهم في تنامي خطاب الكراهية بين مكونات الشعب اللبناني ومجتمع النازحين، وكان يتصاعد أو يخفت تبعاً للأجواء التي تعصف بالبلدين.
في ظل هذه الأوضاع المتردية التي تجتاح المنطقة، ولا تزال مستمرة وإن اتخذت شكلاً مغايراً متمثلاً بالحرب على غزة، لم يتمكن لبنان من السيطرة على الأوضاع الأمنية الداخلية. وقد ترتب على ذلك انتشار الجريمة بأشكال متعددة، من السرقة وأعمال القتل وصولاً إلى الأفعال الإرهابية. وصاحب كل ذلك غياب رؤية واضحة لدى الدولة اللبنانية في كيفية تنظيم موجات النزوح، وانعدام أي آلية فعلية لمنح هؤلاء النازحين إقامات قانونية تكفل لهم مقامهم الكريم والآمن في لبنان.
في خضم هذا الواقع الأمني والاقتصادي والاجتماعي من جهة، وضعف الدولة وأجهزتها من جهة أخرى، لم تكن السجون اللبنانية بمنأى عن الأزمة العامة التي تعصف بالبلاد. فقد وثّق مركز وصول لحقوق الإنسان، إلى جانب غيره من المنظمات المحلية والدولية المعنية بحقوق الإنسان، تجاوزات جسيمة في هذا الشأن، إذ وُثّقت عمليات اعتقال وتوقيف تعسفية طالت اللاجئين السوريين في مختلف المناطق اللبنانية عبر حملات أمنية ومداهمات لمراكز النزوح، بل وصل الأمر أحياناً إلى ملاحقتهم في أماكن عملهم أو توقيفهم على الطرقات.
كما وُثّقت أعمال تعذيب وإهانة بحق اللاجئين، تتصاعد وتيرتها بين الحين والآخر، وقد بلغت أحياناً حد القتل وإحداث عاهات مستديمة. وقد رافقت هذه الأحداث تجاوزات جسيمة على مبدأ حق المحاكمة العادلة، فإلى جانب الاعتقال التعسفي والمعاملة المهينة، كان الموقوف اللاجئ يُحرم من حقوق كفلتها له القوانين الدولية والمحلية، كحق توكيل محامٍ عند التوقيف، والاتصال بذويه، بل وحق معرفة التهمة الموجّهة إليه. واستمرت هذه الانتهاكات تلاحق اللاجئين حتى بعد دخولهم السجن، حيث وُثّقت أوضاع مزرية في السجون اللبنانية من حيث الاكتظاظ الحاد والنظافة وضعف المتابعة الطبية. وتشمل السجون في مفهومها الواسع المعتمد في هذا التقرير أماكن الاحتجاز المؤقت والنظارات التي تُحتجز فيها بقرارات قضائية حرية المتهمين أو المشكو منهم ممن لا يزالون قيد التحقيق أو المحاكمة.
وكل ذلك يجري رغم وجود منظومة قانونية لبنانية تحظر صراحةً مثل هذه التجاوزات، تبدأ من الدستور وتمر بقانون العقوبات وقانون أصول المحاكمات الجزائية، وتشمل القانون رقم 65/2017 الذي يجرّم التعذيب والمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، فضلاً عن وثائق توجيهية وقواعد سلوك تتعلق بالأسلاك العسكرية من جيش وقوى أمن داخلي وأمن عام وأمن دولة. كما يفرض عدد من الاتفاقيات الدولية، الملزمة منها وغير الملزمة، على لبنان انتهاج مقاربة مغايرة تماماً في التعامل مع اللاجئ السوري الفار من ويلات النزاع المسلح إلى لبنان والذي لم يؤمّن له أرضية العودة الطوعية بعد سقوط النظام السوري، لا أن يُعامَل معاملةً قد تكون في بعض الأحيان أشد وطأةً مما كان يتعرض له لو ظل في سوريا.
في خضم هذا الواقع المتراكم، أقرّ مجلس النواب اللبناني في آب/أغسطس 2026 قانون العفو العام (القانون رقم 70/2026)، الذي بدا للوهلة الأولى بارقة أمل بالنسبة لعدد من الموقوفين والمعتقلين والسجناء من اللاجئين السوريين. غير أن المجلس الدستوري اللبناني أصدر، بتاريخ 10 أيلول/سبتمبر 2026، قراراً بوقف مفعول هذا القانون إلى حين البت بالطعن المقدَّم ضده، وهو ما أبقى وضع هؤلاء المحتجزين معلّقاً دون أي إفراج أو تخفيف فعلي للعقوبات حتى تاريخ إعداد هذه الورقة. وهذا التطور تحديداً هو ما يدفع مركز وصول لحقوق الإنسان إلى إصدار هذه الورقة البحثية في هذا التوقيت، بهدف توثيق الواقع الذي عاشه اللاجئون السوريون داخل أماكن الاحتجاز والسجون اللبنانية طوال المرحلة السابقة لصدور قانون العفو، والذي لا يزال هو الواقع القائم فعلياً في ظل تعليق العمل بالقانون.
تُركّز هذه الورقة البحثية تحديداً على أوضاع اللاجئين السوريين داخل السجون اللبنانية، نظراً للدور الجوهري الذي ينبغي أن تؤديه السجون في كل دول العالم من إصلاح وتهذيب. وتتناول الورقة مسار اللاجئ منذ ملاحقته من قبل الأجهزة الأمنية، مروراً بفترة توقيفه ومحاكمته، وصولاً إلى توثيق فترة إقامته داخل السجون اللبنانية، ومدى انسجام هذه المسيرة مع القوانين المحلية والدولية ذات الصلة. وتختتم الورقة بتناول اتفاقية التعاون القضائي بين لبنان وسوريا، وما يُؤمل منها، إلى جانب مآل قانون العفو العام بعد البت بالطعن المقدَّم أمام المجلس الدستوري، من دور في التخفيف من معاناة اللاجئ السوري داخل السجون اللبنانية.
أولاً: التعسف في سلب حرية اللاجئين السوريين
الاعتقال أو التوقيف التعسفي هو حرمان الفرد من حريته بصورة غير قانونية أو دون أساس تشريعي واضح، أو خارج إطار الإجراءات القانونية الواجبة، أو عبر احتجاز ناجم عن تعسف السلطة واستبدادها دون ارتكاب أي جرم أو مخالفة. وبحسب القانون الدولي، يُعد الحرمان من الحرية تعسفياً إذا وقع في إحدى الحالات التالية:[1]
1-إذا تعذّر تبرير الحرمان من الحرية على أي أساس قانوني، كإبقاء الشخص رهن الاحتجاز بعد انتهاء مدة عقوبته.
2-إذا كان الحرمان من الحرية ناجماً عن ممارسة الحقوق والحريات التي تكفلها القوانين والأعراف الدولية، كالحق في اختيار الدين والمعتقد أو التعبير عن الرأي.
-3إذا كان ثمة عدم تقيّد كلي أو جزئي بالقواعد الدولية المتصلة بالمحاكمة العادلة، كالقواعد المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والصكوك الدولية ذات الصلة التي قبلتها الدولة المعنية، كوجوب إبلاغ الموقوف بأسباب توقيفه، وعرضه السريع أمام القضاء، وضمان حقه في الطعن بقانونية احتجازه أو اعتقاله.
-4إذا تعرّض ملتمسو اللجوء أو المهاجرون للاحتجاز الإداري لمدة مطوّلة دون إمكانية المراجعة أو التظلم إدارياً أو قضائياً.
-5إذا كان الحرمان من الحرية قائماً على أساس تمييزي مبني على المولد أو الأصل القومي أو اللغة أو الدين أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي أو الرأي السياسي أو الجنس أو أي وضع آخر، بحيث يهدف في نهاية المطاف إلى إهدار المساواة في حقوق الإنسان أو يُفضي إلى ذلك.
أما في ما يخص القانون اللبناني، فنلاحظ انسجامه الكامل مع القانون الدولي من حيث تحريم أي شكل من أشكال الحرمان التعسفي من الحرية، ذلك أن لبنان من الدول المؤسِّسة لمنظمة الأمم المتحدة وأسهم في صياغة أبرز القوانين التي تحكم عملها كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهو بالتالي موقّع على هذه المعاهدات والتشريعات ومنضم إليها وملزمٌ بها وفق ما نصّ عليه الدستور اللبناني.[2] ولهذا نرى أن القوانين اللبنانية بمجملها تسعى إلى احترام حقوق المحتجزين والموقوفين والمسجونين؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر، لا يجوز في مرحلة الاحتجاز أمام الضابطة العدلية أن تتجاوز فترة التوقيف 48 ساعة بوجه عام،[3] وأي مخالفة لهذا المبدأ تُعرّض المسؤول عنها لعقوبات جزائية.[4] وهذا تجسيد لمبدأ “لا عقوبة دون نص”؛ فطالما يُعد الحجز لحرية أي شخص شكل من أشكال العقوبة، فإن إنزال هذه العقوبة دون نص صريح يُجيزها يُعد مخالفاً للمادة (8) من الدستور اللبناني وحكماً للقوانين المحلية اللبنانية.
غير أن وجود النصوص القانونية لا يعني حتماً أنها تُطبَّق بحذافيرها. فبحسب ما وثّقه مركز وصول لحقوق الإنسان، يُعد الاعتقال التعسفي في لبنان من أبرز الانتهاكات التي يتعرض لها اللاجئون السوريون، إذ رصد المركز خلال عام 2023 ما مجموعه 1,080 حالة، فيما بلغ عدد الحالات المرصودة في عام 2024 نحو 982 حالة، ليرتفع العدد في عام 2025 إلى 1,353 حالة، توزعت بين الاعتقالات الفردية والجماعية.
كما رصدت منظمات عدة في السنين السابقة ومنها منظمة العفو الدولية اعتقالات عديدة قامت بها الدولة اللبنانية متمثلة بأجهزتها الأمنية والقضائية وقد وصفت بـ التعسفية، حيث جرت اعتقالات عديدة للاجئين دون إبلاغهم بالتهم الموجّهة إليهم، وهو ما يُعد انتهاكاً صريحاً لكل من القانون الدولي والقانون اللبناني كما بيّنا آنفاً. فضلاً عن ذلك، رُصدت حالات كثيرة حُرم فيها الموقوفون من الاتصال بذويهم أو حتى من توكيل محامٍ، مما يُشكّل حرماناً من أبسط حقوقهم ويُجسّد دون أدنى شك طابع التعسف في توقيفهم.[5]
كما وثّق المركز حالات أفاد فيها معتقلون من اللاجئين السوريين بأن السبب الرئيسي لتوقيفهم كان معارضتهم لنظام بشار الأسد، حيث كان المحققون يُركّزون في استجواباتهم على استجلاء توجههم السياسي. وهذا ما تؤكده منظمات من بينها الشبكة السورية لحقوق الإنسان، وهو دليل صريح على أن التوقيف كان مبنياً على الرأي السياسي.[6] ولم تنجُ النساء من اللاجئين السوريين من الاعتقال التعسفي؛ إذ رصدت منظمة العفو الدولية حالات اعتُقلت فيها بعض النساء فقط بهدف الضغط على أزواجهن لانتزاع اعترافاتهم، وهو خرق إضافي فاضح يمس مشروعية الاعتقال أو التوقيف.
وبحسب آخر إحصاءات مديرية السجون في وزارة العدل، بلغ عدد السجناء في السجون اللبنانية في شباط 2026 نحو 6498 شخصاً، منهم 83% موقوفون دون محاكمات. وهذا الرقم الضخم لعدد الموقوفون دون محاكمات إن دل على شيئ فانه يدل على حجم المعاناة والظلم الذي يتعرض له السجناء، ومن بينهم بطبيعة الحال السجناء من الجنسية السورية الذين يُشكّلون أعلى نسبة بين الأجانب.
ثانياً: التعذيب والمعاملة المهينة
يتجسّد منع التعذيب وسوء المعاملة في العديد من المواثيق والمعاهدات والاتفاقيات الدولية التي صادق عليها لبنان،[7] إلى جانب قوانينه المحلية. وبالتالي فالسلطات اللبنانية ملزمة بموجب الدستور والقوانين المحلية والمعاهدات الدولية ذات الصلة بالامتناع عن اللجوء إلى التعذيب بحق أي شخص. وفضلاً عن المعاهدات الدولية والقوانين المحلية، يُعد التعذيب محظوراً بشكل مطلق بموجب قواعد القانون الدولي الآمرة المعروفة بـ”Jus Cogens”، وبالتالي لا يجوز لأي دولة التحلل منه بذريعة حالة حرب أو طوارئ أو مكافحة إرهاب. وكون التعذيب من القواعد الآمرة في القانون الدولي العرفي، فإن مبدأ حظره يسري على جميع الدول بغض النظر عن مصادقتها على اتفاقيات بعينها.
ومع ذلك، تلجأ عناصر الضابطة العدلية في دول عديدة إلى التعذيب، إما بصورة ممنهجة وفق سياسة الدولة أو بصورة فردية، مما يُشكّل انتهاكاً صريحاً للقوانين والأعراف الدولية وحتى للقوانين المحلية في بعض الأحيان. وهذا ما رصده مركز وصول لحقوق الإنسان بالإضافة إلى تأكيدات عدة منظمات حقوقية عاملة في لبنان في حق السجناء والموقوفين والمحتجزين، ومن بينهم اللاجئون السوريون الفارون من ويلات الحرب والاضطهاد. يتعرض اللاجئون السوريون في مراكز الاحتجاز التابعة للأفرع الأمنية لمعاملة مهينة وشتى أنواع التعذيب، بغية انتزاع اعترافات منهم تتمحور حول الإقرار بالانتماء إلى جماعات إرهابية أو الإدلاء بمعلومات، وذلك على أساس قرائن واهية.
أولى مركز وصول لحقوق الإنسان اهتمامًا خاصًا برصد وتوثيق التعذيب وسوء المعاملة داخل السجون ومراكز الاحتجاز. وخلال عام 2024، وثّق المركز ٢٥ واقعة تعذيب، إلى جانب 1,075 واقعة سوء معاملة. وفي عام 2025، وثّق المركز 11 واقعة تعذيب، فيما ارتفع عدد وقائع سوء المعاملة الموثّقة إلى 3,072 واقعة.
وتُظهر هذه الأرقام ارتفاعًا ملحوظًا في وقائع سوء المعاملة الموثّقة خلال عام 2025 مقارنة بالعام السابق. ولا تشير أعداد الوقائع بالضرورة إلى عدد مماثل من الضحايا، إذ قد يتعرض الشخص الواحد لأكثر من واقعة أو نمط من أنماط سوء المعاملة خلال فترة احتجازه.
فقد وثّق المركز حالات عديدة كان فيها لاجئا إما فاقداً لوثائقه الثبوتية وإما منشقاً عن الجيش السوري الحكومي، حيث جرى توقيفه وتعذيبه لانتزاع أقوال يُقرّ فيها بتهم إرهابية، لمجرد كونه يفتقر إلى هذه الوثائق. وهو أمر طبيعي في ظل الأحداث السورية، إذ اضطر كثير من اللاجئين إلى النزوح بشكل مفاجئ ولم يتمكنوا من اصطحاب وثائقهم، أو أنهم فقدوها خلال رحلة نزوحهم، أو أنها ضاعت نتيجة تدمير منازلهم.
الحال نفسه ينطبق على الجنود والضباط الذين هربوا من الجيش لاجئين إلى دول أخرى كلبنان كي لا يتورطوا في إراقة الدماء، وهو حق مكفول لهم، لكن بدلاً من أن يلقوا الحماية في لبنان، جرى اعتقالهم وتعذيبهم بتهمة الانتماء إلى تنظيمات إرهابية، إذ اعتُبر الانشقاق عن الجيش السوري قرينةً بمفرده على الانتماء إلى جماعات مسلحة.
وقد أفاد بعض المعتقلين بأنهم كانوا يُربطون بألواح أو يُعلَّقون وأيديهم مقيّدة خلف ظهورهم لساعات متتالية، كما عانى كثيرون من الضرب المبرح لدرجة فقدان الوعي أو كسر الأسنان. ومن بين الحالات التي رصدها المركز والتي بلغت نحو 73 حالة في عام 2020 وحده، قصة أحد اللاجئين المنشقين عن الجيش السوري، إذ اعتُقل على أحد حواجز المخابرات اللبنانية في بلدة اللبوة بينما كان يحاول العبور إلى بيروت دون وثائق شخصية، فجرى توقيفه والإبقاء عليه هناك يومين قبل تحويله إلى فرع أبلح لاستكمال التحقيق. وبقي هناك سبعة أيام تعرّض خلالها للضرب والتعذيب لانتزاع معلومات منه، ولا تزال آثار التعذيب واضحة على جسده بعد مرور أكثر من سبع سنوات على هذا الانتهاك.
وبعد الانتهاء من التحقيق، أُرغم على اختيار تهمة من بين تهم إرهابية لينسبها إلى نفسه، فوقّع على محضر التحقيق رغم أن جميع اعترافاته انتُزعت تحت التعذيب، ثم حُوّل إلى وزارة الدفاع اللبنانية حيث مكث تسعة أيام تحت التحقيق، كان يُقتاد خلالها إلى غرف الاستجواب ليُضرب على أجزاء متعددة من جسده، وكان يفقد أحياناً وعيه وسمعه وبصره لساعات دون أن يُعرض على طبيب.
وبعد الاعتراف تحت الإكراه، حُوّل إلى المحكمة العسكرية حيث أوقف في النظارة خمسة عشر يوماً، ثم عُرض على المحكمة التي قرأت عليه اعترافاته دون أي ضمانات عادلة أو التزام بقواعد النزاهة القضائية، فصدر بحقه حكم بالسجن سنة قضاها في سجن رومية مع غرامة مالية، قام محامي الضحية بسدادها عند انتهاء المدة فأُخلي سبيله.
وفي حادثة أخرى، داهمت دورية من الجيش اللبناني في 13 آب 2018 إحدى المخيمات في بلدة المرج، واعتقلت ثلاثة لاجئين ونقلتهم إلى مركز المخابرات العامة في أبلح، حيث تعرضوا للضرب المبرح. لم يسلم الأطفال من التعذيب والمعاملة المهينة، إذ وثّقت منظمة العفو الدولية اعتقال أربعة أطفال في أواخر عام 2014 تعرّضوا للضرب المبرح والمعاملة المهينة.
وإلى جانب ذلك، وثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش 355 حالة، أثبت تقريرها وجود ممارسات تعذيب بحق هؤلاء الأطفال، إذ تعرّض بعضهم للصعق الكهربائي وعُلّق آخرون بالحبال وسُكب الماء البارد على أجسادهم، وتزامن ذلك مع حرمانهم من الاتصال بعائلاتهم.[8]
كما وثّق المركز حالات في منطقة البقاع عام 2021، إذ احتُجز ثلاثة أطفال تتراوح أعمارهم بين 10 و13 سنة من قبل شرطة البلدية، وجرى استجوابهم بطريقة مشينة مصحوبة بشتائم وضرب، ولم يستطع ذووهم تقديم أي شكوى لأنهم هُدِّدوا بالترحيل بسبب انتهاء إقاماتهم، فحُرموا بذلك من اللجوء إلى القضاء.
لا تقتصر المعاملة اللاإنسانية على التعذيب الجسدي بطبيعة الحال، إذ تُرافق الشتائم والإهانات اللفظية المحتجزين طوال فترة توقيفهم. وهذا ما أكده أحد القاصرين لفريق المركز خلال توقيفه في أحد مخافر قوى الأمن الداخلي في بعلبك، وكان حينئذٍ لا يتجاوز 16 عاماً من العمر.
وعليه، فإن هذه المعاملة المهينة التي يتعرض لها الأطفال القاصرون من اللاجئين السوريين داخل مراكز الاحتجاز والاعتقال تُشكّل، إلى جانب انتهاكها للقوانين المحلية اللبنانية، خرقاً صريحاً للالتزامات الدولية التي وقّع عليها لبنان، وفي مقدمتها اتفاقية حقوق الطفل، ولا سيما في ما يخص وجوب الامتناع عن تعريض الطفل للتعذيب، وعدم حرمانه من حريته بصورة تعسفية، وفصله أثناء الاحتجاز عن البالغين، وتأمين المساعدة القانونية له بأسرع وقت ممكن.[9] وهذا ما يؤكده أيضاً قانون حماية الأحداث في القانون اللبناني المحلي الذي يتميز بإجراءات وأحكام مخففة ذات طابع إصلاحي.
ثالثاً: الوضع الصحي للسجناء
تنص القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء المعروفة بـ”قواعد نيلسون مانديلا”[10] على أن من حق جميع السجناء أن تكون ظروف حبسهم كريمةً وإنسانية، وتقع على عاتق الدولة مسؤولية جوهرية في ضمان توفير المعايير الصحية الواجبة عبر تأمين الغذاء والمياه النظيفة والتدفئة والإضاءة والتهوئة والملابس والفراش وحالة المرافق الصحية، ويتعين على إدارة السجون والجهات المعنية التثبّت من ذلك بصورة دورية. فضلاً عن ذلك، يجب أن يخضع السجناء لفحوصات طبية دورية يجريها طبيب مختص لضمان سلامة الجميع، مع التدخل الفوري لمعاينة المرضى وتقديم العلاج المناسب لهم عند الحاجة.
غير أنه وفقاً للتقرير السنوي للهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب لعام 2025، الذي استند إلى الزيارات الميدانية التي أجرتها اللجنة إلى السجون ومراكز التوقيف والنظارات في مختلف المناطق اللبنانية، إضافة إلى دراسة ملفات المحتجزين ورصد أوضاعهم، تبيّن أن واقع أماكن الاحتجاز لا يزال يعاني من اختلالات بنيوية خطيرة تجعله بعيداً عن الامتثال للمعايير الدولية والقوانين الوطنية ذات الصلة.[11] وقد خلص التقرير إلى استمرار تدهور ظروف الاحتجاز مع تفاقم بعض المشكلات جراء الاكتظاظ والأوضاع الاقتصادية والحرب الإسرائيلية على لبنان. وفيما يلي أبرز الملاحظات:
• استمرار الاكتظاظ الحاد في السجون ومراكز الاحتجاز، إذ ارتفعت نسبة الاكتظاظ إلى ما يقارب 300% في بعض السجون، بينما تجاوز عدد المحتجزين في بعض النظارات أكثر من عشرة أضعاف طاقتها الاستيعابية.
• استمرار الاعتماد المفرط على التوقيف الاحتياطي، إذ يُشكّل الموقوفون احتياطياً نحو 82% من إجمالي نزلاء السجون، وهو أحد الأسباب الرئيسية لاستمرار أزمة الاكتظاظ.
• تدني مستوى الرعاية الصحية داخل أماكن الاحتجاز، مع تسجيل نقص حاد في الأدوية الأساسية والخدمات الطبية، وعجز السلطات عن تأمين الاحتياجات الصحية الضرورية للمحتجزين، لا سيما أصحاب الأمراض المزمنة.
• سوء الأوضاع المعيشية داخل كثير من السجون والنظارات، بما في ذلك ضعف التهوئة وارتفاع نسب الرطوبة وغياب التعرض الكافي لأشعة الشمس، فضلاً عن النقص في مواد النظافة الشخصية والفراش والأغطية، بما لا ينسجم مع الحد الأدنى من المعايير الإنسانية.
• تراجع نوعية وكميات الغذاء المقدَّم للمحتجزين واستمراره، مع اضطرار كثيرين منهم إلى تأمين طعامهم ومياه شربهم على نفقتهم الخاصة نتيجة قصور ما توفره الإدارة.
• استمرار تردي البنية التحتية للسجون، إذ تفتقر معظم أماكن الاحتجاز إلى المرافق والتجهيزات الأساسية، فضلاً عن أن كثيراً منها أُنشئ أصلاً لأغراض غير مخصصة للاحتجاز ولم يخضع للتعديلات اللازمة لتتوافق مع المعايير الدنيا المعتمدة في المؤسسات العقابية.
• ضعف برامج التأهيل وإعادة الإدماج والنقص في الاختصاصيين النفسيين والاجتماعيين، إلى جانب محدودية الأنشطة التعليمية والمهنية والثقافية بسبب الاكتظاظ وشح الموارد.
وتؤكد الهيئة في تقريرها أن هذه الأوضاع تُشكّل انتهاكاً مستمراً لحقوق الأشخاص المحرومين من حريتهم، وتستدعي إصلاحات تشريعية وإدارية عاجلة تشمل الحد من اللجوء إلى التوقيف الاحتياطي، وتحسين البنية التحتية للسجون، وضمان توفير الرعاية الصحية والغذاء والاحتياجات الأساسية بما يتوافق مع المعايير الدولية لمعاملة السجناء.
إن هذا الواقع المزري في مراكز الاحتجاز والسجون يُفضي حتماً إلى تفشي الأمراض بين السجناء وانتشار الحشرات كالجرب، مما يستوجب تدخلاً طبياً دائماً. وعلى الرغم مما يبذله الفريق الطبي في وزارة الصحة والصليب الأحمر اللبناني من جهود، فإن قدرة احتواء الأمراض المعدية تبقى فوق طاقة الكادر الطبي المتاح في ظل النقص الحاد في المستلزمات الطبية. وقد وثّق المركز حالة لاجئ سوري كان بحاجة ماسة إلى تدخل جراحي في الرأس خلال احتجازه في سجن جزين، إضافة إلى مسكنات الألم، إلا أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة للدولة والنقص في المستلزمات الطبية دفعا إدارة السجن إلى إغفال شكواه، مما فاقم حالته وأفضى إلى تدهور صحي حاد ونوبات عصبية شديدة.
وبحسب تقرير صادر عن منظمة هيومن رايتس ووتش، فقد تبيّن أنه خلال التحقيقات الأولية مع اللاجئين السوريين في مراكز الأمن العام، لم تكن ثمة أي رعاية طبية للأشخاص الذين يعانون من حالات مرضية،[12] الأمر الذي قد يُفضي في بعض الأحيان إلى الوفاة نتيجة التأخر في التدخل الطبي جراء تفاقم الحالة الصحية في ظل ظروف التوقيف القاسية.
وتكشف التطورات الأخيرة في سجن رومية المركزي مدى ارتباط تعثّر الإصلاح التشريعي بتدهور الوضع الصحي للمحتجزين مباشرة. فبعد تعليق المجلس الدستوري العمل بقانون العفو العام، توفي الموقوف السوري أحمد مصطفى الحمد (44 عاماً) في مستشفى الحريري، بعد أن تدهورت حالته الصحية جسدياً ونفسياً خلال توقيفه الذي استمر 44 شهراً دون محاكمة، نتيجة الاكتظاظ الشديد وانعدام الرعاية الطبية داخل السجن. وبحسب هيئة “أهالي السجناء في لبنان”، فإن هذه الوفاة تُعدّ الحالة الثالثة بين الموقوفين خلال أقل من شهر واحد منذ إقرار القانون. وقد أعقب ذلك تسجيل حالة وفاة إضافية لأحد نزلاء المبنى “دال” في السجن ذاته، ما أدى إلى اندلاع أعمال شغب واحتجاجات وتحطيم أبواب داخل السجن، فضلاً عن تسجيل حالات اختناق بين الموقوفين احتجاجاً على التعليق. وقد وصل الأمر إلى إعلان السجناء الإسلاميين إضراباً مفتوحاً عن الطعام والشراب والأدوية، شمل حتى أصحاب الأمراض المزمنة، ما يعكس تفاقماً خطيراً وغير مسبوق في الأزمة الصحية داخل السجون، ويؤكد أن أي تعطيل للإصلاحات التشريعية المتعلقة بالتوقيف الاحتياطي ينعكس بشكل مباشر ومأساوي على حياة المحتجزين وسلامتهم الجسدية والنفسية.
رابعاً: مخالفة حق المحاكمة العادلة
الحق في المحاكمة العادلة من الحقوق الأساسية للإنسان، وهو ما تؤكده القوانين اللبنانية ذات الصلة، منذ مرحلة التوقيف مروراً بالتحقيق لدى الأجهزة الأمنية والقضائية وصولاً إلى مرحلة إصدار الحكم والطعن فيه.
فبحسب المادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، كرّست هذه المادة بطلان التحقيقات والمحاضر كافةً في حال عدم التزام الضابطة العدلية بالأصول الإجرائية عند توقيف المشتبه بهم، إذ يحق للمشتبه به عند توقيفه التزام الصمت، كون كل ما يُدلي به قد يُستخدم ضده. كما يحق له الاتصال بأحد أفراد عائلته أو بمحاميه فوراً، ولهذا الأخير حضور جلسة الاستجواب، وإلا اعتُبر الاستجواب باطلاً. وفي حال يعاني المشتبه به من مرض أو إصابة أثناء التوقيف، فيحق له المعاينة من قبل طبيب شرعي لإثبات أي تعذيب تعرض له. كما يحق له الاستعانة بمترجم محلَّف إذا لم يكن يُجيد اللغة العربية.
ويتبيّن من هذه المادة أن المشتبه به يتمتع في فترة التوقيف والتحقيق بحقوق لا يجوز تجاوزها، تتماثل مع تلك المنصوص عليها في المعاهدات الدولية التي انضم إليها لبنان كالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية،[13] أو شارك في صياغتها كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان.[14]
وإلى جانب هذه المادة، ثمة مواد عديدة تنظّم مختلف مراحل التوقيف وصولاً إلى المحاكمة، كالمادة 107 من أصول المحاكمات الجزائية التي تُحدد حدود التوقيف الاحتياطي ومدته وتمنع التوقيف التعسفي أمام قاضي التحقيق[15]. والمادة 178 التي تنص على وجوب إجراء المحاكمة “بصورة علنية ووجاهية”,[16] حيث يُعد هذان المبدأن من أهم ضمانات المحاكمة العادلة في القانون اللبناني، فالعلنية أداة أساسية للرقابة الديمقراطية على القضاء، إذ تُتيح للمجتمع مراقبة كيفية تطبيق العدالة “باسم الشعب اللبناني” وتكفل الشفافية والثقة في المنظومة القضائية. أما الوجاهية فهي الترجمة الفعلية لحق الدفاع ومبدأ المساواة بين الخصوم، إذ بدون وجاهية حقيقية تفقد المحاكمة طابعها العادل حتى لو اتسمت بالعلنية الشكلية. وتُعد هذه المادة شبيهة للمادة 14(1)(3) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
واستكمالاً لمبدأ العلنية والوجاهية، ينص القانون اللبناني على حق استئناف الأحكام وتمييزها، تجسيداً لمبدأ حق الطعن والاستئناف بوصفه الضمانة الكفيلة بمراقبة صحة تطبيق كلا المبدأين بعد صدور الحكم، ويمكن إيجاد هذا المبدأ منصوصا عليه أيضا في المادة 14(5) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية. وتأكيداً لمبدأ المحاكمة العادلة، تنص القوانين اللبنانية في مواد عديدة على ضرورة استقلالية القاضي وحياده في أي قضية يفصل فيها، وذلك من خلال إتاحة رده وتنحيته عند توافر ظروف من شأنها إثارة الشك المشروع في حياده، وفق ما ينص عليه قانون القضاء العدلي من مبدأ استقلال القضاة في ممارسة وظائفهم. ويتوافق ذلك مع أحكام القانون الدولي المنصوص عليها في المادة 14(1) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والمادة 10 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، اللتين تنصان على “حق كل إنسان في أن تنظر قضيته محكمة مستقلة ومحايدة نظراً منصفاً وعلنياً للفصل في حقوقه والتزاماته وفي أي تهمة جزائية توجه إليه”.
والجدير بالذكر أن إحالة أي مدني، لبنانياً كان أم اجنبياً، أمام المحكمة العسكرية يُشكّل انتقاصاً من الحقوق والضمانات الممنوحة له في حال خضع للقضاء العدلي. فمعظم المبادئ التي تكرّسها القوانين اللبنانية لضمان محاكمات عادلة يُمكن أن يُنتقص منها حين يُحوَّل المدنيون إلى المحكمة العسكرية بحجة الصلة بين تهمهم والقانون العسكري، كتهم الإرهاب والتجسس. فأمام المحكمة العسكرية غالباً ما تكون الجلسات سريعة وموجزة بما يُخالف مبدأ العلنية. كما أن تشكيل هيئة المحكمة العسكرية من ضباط عسكريين لا يُشترط فيهم الحصول على إجازة في الحقوق (باستثناء القاضي المدني في الهيئة) يمس بمبدأ استقلالية القضاء وحياده كونهم يخضعون لوزارة الدفاع. علاوة على ذلك، فإن الأحكام الصادرة عن المحكمة العسكرية لا تخضع لنظام الاستئناف المعتاد كالمحاكم العدلية، بل تخضع لآليات طعن ضيقة ومقيّدة أمام محكمة التمييز العسكرية، مما يحرم المتهم من مبدأ التقاضي على درجتين.
والواقع أن كثيراً من اللاجئين السوريين في لبنان يُحرمون من حقهم في المحاكمة العادلة. فتتواتر التقارير الصادرة عن منظمات حقوقية عاملة في لبنان بتأكيد حرمان اللاجئ السوري من حقه في الاتصال بمحامٍ أثناء الاحتجاز أو التواصل مع أحد أفراد أسرته، مما حدّ من قدرته على الدفاع عن نفسه أمام الضابطة العدلية أو الطعن في إجراءات احتجازه لاحقاً. وأفاد كثير من اللاجئين السوريين بانتظارهم فترات مطوّلة تراوحت بين أسابيع وأشهر وبعضها عام أو عامين قبل مثولهم أمام قاضي التحقيق، في مخالفة صريحة للقوانين اللبنانية والدولية.[17] وفي تقرير للمفكرة القانونية للعام 2025، بلغ متوسط أمد التوقيف الاحتياطي للسوريين في السجون اللبنانية 19.2 شهراً، وهو ما يُعد مخالفة صريحة لأحكام القوانين اللبنانية.[18]
كما أفاد كثير من المحكوم عليهم من اللاجئين السوريين بأن القضاة اعتمدوا خلال المحاكمات على اعترافات انتُزعت منهم تحت التعذيب، فأُسندت إليهم تهم إرهابية بناءً على إقرارات أدلوا بها مكرهين في ظروف بالغة القسوة، فاعترفوا بجرائم لم يرتكبوها بعد تعرضهم للتعذيب أو التهديد.
إن أي انتهاك للحق في المحاكمة العادلة على النحو الذي وُصف آنفاً يُلقي بظلاله على صحة المحاكمة برمتها. وإن تفشي مثل هذه الانتهاكات على النطاق الذي تكشفه التقارير والشهادات الحية في لبنان يُثير قلقاً بالغاً حول نزاهة وعدالة المنظومة القضائية اللبنانية. من الجدير التنويه أن اتفاقية نقل السجناء الموقّعة بين لبنان وسوريا في شباط 2026 اقتصرت على فئة المحكومين فقط، ولم تُعالج وضع الموقوفين احتياطياً دون محاكمة، الذين يبقى ملفهم عالقاً بلا أي أفق قانوني واضح لإنهاء توقيفهم.
خامساً: مخالفة تصنيف السجناء
يُعد تصنيف السجناء من المبادئ الأساسية التي تقوم عليها الإدارة السليمة للمؤسسات العقابية، لما يحققه من حماية للفئات الأكثر هشاشة، والحد من انتقال السلوك الإجرامي بين النزلاء، وضمان توفير برامج إصلاح وتأهيل تتناسب مع الوضع القانوني والشخصي لكل سجين. وفي هذا الإطار، أوصى تقرير صادر عن مجلس النواب اللبناني بضرورة اعتماد نظام متكامل لتصنيف السجناء، يقوم على الفصل بين الفئات المختلفة وفق معايير موضوعية تراعي طبيعة الجريمة وخطورتها، والوضع القانوني للسجين، وحالته النفسية والصحية، وسوابقه الجرمية، بما يكفل الأمن داخل المؤسسات العقابية ويعزز أهداف الإصلاح وإعادة التأهيل.[19]
ويستلزم هذا التصنيف، أولاً، الفصل بين السجناء المحكوم عليهم والموقوفين احتياطياً الذين لا يزالون يتمتعون بقرينة البراءة حتى صدور حكم قضائي مبرم بحقهم. كما يستلزم عدم الجمع بين مرتكبي الجرائم الخطيرة كالقتل والإرهاب والتعامل مع العدو، ومرتكبي الجرائم الأقل خطورة كالجرائم المالية وخيانة الأمانة. فضلاً عن ضرورة الفصل بين أصحاب السوابق والموقوفين أو المحكوم عليهم للمرة الأولى، وتنظيم الأنشطة المشتركة بما فيها أوقات النزهة بحيث تقتصر على السجناء المنتمين إلى الفئة ذاتها، بما يتفق مع متطلبات الأمن والإصلاح.
كما أوصى التقرير بإخلاء جميع السجون وأماكن التوقيف من الأحداث، ولا سيما قسم الأحداث في سجن رومية، وإيداعهم حصرياً في دور المراقبة أو معاهد الإصلاح المخصصة لهم، مع العمل على توسيع انتشار هذه المعاهد في مختلف المحافظات أو إنشاء معهد مركزي على مستوى لبنان، إلى جانب إنشاء أماكن توقيف وتأهيل خاصة بالفتيات الأحداث ومعهد التأديب المنصوص عليه في القانون، بما يضمن تأهيل الأحداث وفق أعمارهم وطبيعة الأفعال المنسوبة إليهم، بعيداً عن الاختلاط بالراشدين أو بالمحكوم عليهم بجرائم جسيمة.
وفيما يتعلق بمتعاطي المخدرات والأشخاص ذوي الإعاقات أو الاضطرابات العقلية، شدّد التقرير على ضرورة عدم إبقائهم داخل السجون العادية، والعمل على نقلهم إلى مراكز أو مؤسسات متخصصة، أو تخصيص أقسام علاجية منفصلة داخل السجون المركزية عند الضرورة، بما يضمن حصولهم على العلاج الطبي والنفسي وإعادة التأهيل. كما أكد ضرورة اعتماد مقاربة علاجية تجاه متعاطي المخدرات باعتبارهم أشخاصاً بحاجة إلى الرعاية الصحية والنفسية لا إلى العقوبة الجنائية وحدها، وإخضاع الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات عقلية حادة للتقييم الطبي المختص ونقلهم إلى مؤسسات الصحة النفسية متى استدعت حالتهم ذلك.
أما بالنسبة للسجناء الأجانب، فقد أوصى التقرير بالعمل على ترحيلهم فور انتهاء مدة محكوميتهم أو الإفراج عنهم دون تأخير، مع مراعاة الضمانات القانونية المقررة لطالبي اللجوء والعمال الأجانب، وتفعيل آليات نقل المحكوم عليهم إلى دولهم الأصلية بناءً على طلبهم كلما أتاحت ذلك الاتفاقيات القضائية الثنائية النافذة.
وتتوافق هذه التوصيات مع قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد مانديلا)، التي كرّست تصنيف السجناء بوصفه أحد المبادئ الجوهرية لإدارة المؤسسات العقابية. فقد نصّت القاعدة (11) على وجوب احتجاز الفئات المختلفة من السجناء في أماكن مستقلة أو أقسام منفصلة داخل المؤسسة الواحدة، مع مراعاة الجنس والعمر والسوابق الجرمية والأساس القانوني للاحتجاز ومتطلبات المعاملة والإصلاح. ويستوجب ذلك، في كل الأحوال، فصل الرجال عن النساء، وفصل المسجونين لأسباب مدنية عن المحكوم عليهم بجرائم جنائية، وفصل الأحداث عن البالغين.
كما أكدت القاعدة (112) ضرورة الفصل بين السجناء غير المحكومين والسجناء المدانين، مع وجوب احتجاز الأحداث غير المحاكمين في مؤسسات مستقلة عن مؤسسات البالغين. ومن جهة أخرى، نصّت القاعدة 5(2) على التزام إدارات السجون باتخاذ جميع الترتيبات والتدابير التيسيرية اللازمة لضمان تمتع الأشخاص ذوي الإعاقات البدنية أو العقلية بكامل حقوقهم على قدم المساواة مع سائر السجناء، بينما أكدت القاعدة (109) عدم جواز إبقاء الأشخاص الذين يتبين أنهم غير مسؤولين جنائيًا، أو الذين يعانون من إعاقات ذهنية أو اضطرابات نفسية شديدة من شأن بقائهم في السجن أن يؤدي إلى تفاقم حالتهم، داخل المؤسسات العقابية، ووجوب نقلهم في أقرب وقت ممكن إلى مرافق متخصصة بالصحة النفسية، مع إخضاع سائر السجناء الذين يعانون من اضطرابات عقلية للرعاية والعلاج في مرافق متخصصة تحت إشراف كوادر صحية مؤهلة، وضمان توفير العلاج المناسب لجميع السجناء الذين يحتاجون إلى خدمات الصحة النفسية.
غير أن الواقع الفعلي يكشف عن انتهاكات جسيمة في هذا الصدد، أبرزها:
1. على صعيد عدد السجناء والفصل بين الفئات
تعج السجون اللبنانية بالموقوفين والمحكومين بأعداد تتجاوز طاقتها الاستيعابية بفارق كبير؛ إذ بلغ عدد السجناء حتى 30/03/2026 نحو 6268 سجيناً، في حين لا تتجاوز الطاقة الاستيعابية الإجمالية 3650 سجيناً، منهم 3500 في سجن رومية وحده الذي لا تتجاوز طاقته 1050 سجيناً.[20] ويُفضي هذا الاكتظاظ الحاد إلى تردٍّ واضح في الانضباط داخل المؤسسات العقابية، واندلاع مشكلات متكررة بين السجناء أنفسهم وبينهم وبين عناصر الأمن.
2. على صعيد سجناء الأحداث
يكشف الواقع الفعلي عن غياب تام لأي مركز متخصص بتصحيح وإعادة تأهيل الأحداث لكلا الجنسين في لبنان، وانعدام السجون المخصصة للشباب، مما يُفضي حتماً إلى اختلاط القاصرين المخالفين بمرتكبي الجرائم الجسيمة دون أي فصل يُذكر، لا من حيث خطورة الجريمة ولا من حيث الوضع القانوني للحدث.[21]
وتزداد هذه الإشكالية تعقيداً في حالة الأحداث السوريين الداخلين إلى الأراضي اللبنانية بصورة غير نظامية؛ إذ حتى في حال صدور قرار بإخلاء سبيل الحدث من التهمة الجنائية المشتبه بها، يستمر توقيفه لصالح الأمن العام بسبب دخوله بطرق غير مشروعة أو عدم حيازته إقامة نظامية. ويمكث هؤلاء الأحداث في مراكز التوقيف لأشهر متتالية، مما يُشكّل عبئاً مضاعفاً على مراكز مكتظة أصلاً، فضلاً عن انتهاك صريح لحقوق الحدث المحتجز في ظل غياب أي آلية قانونية تُتيح تسليمه إلى الأمن العام لإعادته إلى وطنه.[22]
ولعل شهادة كلارا فارس خير مثال على الاختلال البنيوي في تصنيف السجناء؛ فقد كانت في السابعة عشرة من عمرها حين احتُجزت في سجن النساء في بعبدا عام 2001 بسبب توزيعها منشوراً يدعو إلى إنهاء الاحتلال السوري للبنان، لتجد نفسها في غرفة تضم بائعات هوى وعمالاً أجانب دخلوا البلاد بصورة غير نظامية وامرأة محكوماً عليها بالقتل.[23]
3. على صعيد متعاطي المخدرات والسجناء ذوي الاضطرابات العقلية
صدر في عام 1994 المرسوم رقم 6164 القاضي بإنشاء المبنى الأزرق في سجن رومية لإيواء المحكوم عليهم المصابين بأمراض عقلية. غير أن الواقع يكشف عن فجوة واسعة بين ما رسمه المرسوم وما آل إليه الوضع فعلياً؛ إذ يغيب عن المبنى الأطباء النفسيون والممرضون والمعالجون النفسيون المؤهلون، ويخضع المحتجزون فيه لإشراف حراس يفتقرون إلى أي تدريب نفسي متخصص. ويقتصر المبنى على المحتجزين من الذكور دون الإناث، إذ لا تُودَع النساء المحكوم عليهن والمصابات بأمراض نفسية موثقة في وحدة الطب النفسي به.
وتتجلى خطورة هذا الواقع في حالات موثقة عديدة؛ فقد صدر بحق سجينين حكم بالإيداع في وحدة الطب النفسي، في حين لم يُثبت تقرير طبي صادر عن قوى الأمن الداخلي وجود أي مرض عقلي لديهما ولم يُوصَف لهما أي دواء, كما أودِع سجين آخر في المبنى الأزرق في انتظار تنفيذ عقوبته دون أن يرد في سجله الطبي أي تشخيص نفسي.[24] وزاد على ذلك أن الأطباء المعيّنين من قبل قوى الأمن الداخلي يلجؤون إلى مصطلح “عصبي الاضطرابات” لوصف الحالة العقلية للسجناء، وهو مصطلح لا وجود له في أي من أدلة التشخيص الطبي المعتمدة دولياً. والجدير بالذكر أن مصطلح “الاضطرابات العصبية” هو مصطلح تقني يستخدمه المتخصصون للدلالة على طيف واسع من الأمراض العقلية يمتد من الاكتئاب الخفيف وصولاً إلى الفصام، مما يجعل توظيفه بهذا الشكل المبهم أداةً للتعمية لا للتشخيص.[25]
سادساً: اتفاقية التعاون القضائي بين لبنان وسوريا
تشكّلت اتفاقية نقل المحكوم عليهم بين سوريا ولبنان، الموقّعة في 6 شباط 2026، مدخلاً عملياً لتخفيف اكتظاظ السجون اللبنانية وتنظيم تنفيذ الأحكام، مما قد يُولّد أملاً في التخفيف من بعض معاناة السوريين داخل السجون اللبنانية، لا سيما فيما يخص أعمال التعذيب والمعاملة المهينة والوضع الصحي المتردي. وهذا مشروط بأن تكون أوضاع السجون السورية أفضل لهؤلاء السوريين. وسنتناول في هذا القسم أبرز ما وردت في هذه الاتفاقية من أحكام تتعلق بالفئة المشمولة والشروط الواجب توافرها للموافقة على طلب النقل، إلى جانب أبرز الضمانات والإجراءات الشكلية الكفيلة بصون حقوق السجناء خلال عملية التسليم ومدى احترام منظومة حقوق الإنسان، مع التحقق من أن العقوبة ستُنفَّذ فعلياً في الدولة التي سيُنقل إليها السجين سواء أكانت لبنان أم سوريا. كما سنتطرق الى مدى انعكاس هذه الاتفاقية على واقع السجون اللبنانية، لا سيما أن هدفها الجوهري يتمحور حول تنظيم آلية نقل السجناء بين البلدين، وفي مقدمتهم السوريون المحتجزون داخل السجون اللبنانية، بما قد يُسهم في التخفيف من حدة الاكتظاظ الذي تعانيه هذه السجون.
نصّت الاتفاقية على جملة شروط يجب توافرها في السجين لكي يُنقل من الدولة مُصدِرة الحكم إلى الدولة منفِّذة العقوبة. وعلى رأس هذه الشروط أن تطبيق الاتفاقية يقتصر على المحكوم عليهم دون سائر السجناء، أي باستثناء الموقوفين. ومردّ هذا التفريق مبدأ الفصل بين السلطات الذي يقضي في جوهره بالحدّ من تدخل السلطات بعضها في بعض؛ ففي حالتنا هذه يحظر تدخل السلطة التنفيذية في شؤون السلطة القضائية. فالسجين المحكوم عليه قد صدر بحقه حكم وبات ينفّذ عقوبته السالبة للحرية، ومن ثَمّ فقد خرج من نطاق السلطة القضائية وأصبح في عهدة السلطة التنفيذية التي تختص بتحديد كيفية تنفيذ العقوبة. أما الموقوف فهو الشخص الذي لا يزال في نظر القضاء بريئاً وينتظر محاكمته في إطار التوقيف الاحتياطي، وبالتالي فإن أي قرار بالإفراج عنه يبقى من اختصاص السلطة القضائية وحدها.
وقد تضمّنت الاتفاقية جملةً من الشروط الإضافية، أبرزها: ألّا يكون المحكوم عليه المراد نقله خاضعاً لمحاكمة في جريمة أخرى، أي ألّا يكون في الوقت ذاته محكوماً وموقوفاً.[26] وأن تكون الجريمة معاقَباً عليها في كلتا الدولتين بالحرمان من الحرية.[27] ولا يُشترط أن يكون الحكم مبرماً وغير قابل للطعن، إذ يكفي أن يكون قابلاً للتنفيذ.[28] وتسري الاتفاقية على السجين بصرف النظر عن المدة المتبقية من عقوبته، باستثناء جرائم القتل والاغتصاب التي اشترطت الاتفاقية تنفيذ عشر سنوات على الأقل في سجون الدولة مُصدِرة الحكم قبل إجراء النقل،[29] وذلك ضماناً لتنفيذ حد أدنى من العقوبة. أما المحكوم عليهم بالإعدام فيشملهم نطاق الاتفاقية أيضاً، على أن تُستبدل بعقوبة أخف عند إتمام عملية النقل، أي اشتُرط عدم تنفيذ عقوبة الإعدام بحق المنقول.[30] فضلاً عن ذلك، اشترطت الاتفاقية ألّا يحمل المحكوم عليه المراد نقله جنسية الدولة مُصدِرة الحكم،[31] واستوجبت موافقته الصريحة على عملية النقل،[32] وذلك حفاظاً على سلامته إذا كانت حياته قد تكون في خطر في حال نُقل، كالسجناء السوريين الموالين للنظام السوري القديم.
وحتى في حال توافر هذه الشروط، لا يعني ذلك حتماً أن عملية النقل باتت متاحة، إذ خوّلت الاتفاقية كل دولة حق رفض النقل في ثلاث حالات:[33]
• إذا رأت الدولة مُصدِرة الحكم أن النقل يمس سيادتها أو أمنها أو نظامها العام أو مصالحها الجوهرية الأخرى. وهذا البند المصاغ بصورة فضفاضة يفتح الباب أمام التأويل الواسع.
• إذا لم يُنفّذ المحكوم عليه التزاماته المالية المتعلقة بالحقوق الشخصية، وذلك حمايةً لحقوق الضحايا.
• إذا تعذّر تنفيذ العقوبة في الدولة التي سيُنقل إليها، كانقضاء مدة التقادم أو أي سبب آخر منصوص عليه في قوانين تلك الدولة. وهذا يهدف إلى ضمان التنفيذ الفعلي للعقوبة. أما في حال صدور عفو عام أو خاص عن الدولة مُصدِرة الحكم، فيمكن للمحكوم عليهم الذين جرى نقلهم الاستفادة منه، وعندئذٍ يتعيّن على الدولة منفِّذة العقوبة إنهاء تنفيذها.
وضماناً لحقوق المحكوم عليهم المنقولين، نصّت الاتفاقية صراحةً على عدم جواز ملاحقتهم أو محاكمتهم مجدداً على ذات الجريمة،[34]احتراماً لمبدأ عدم جواز المعاقبة مرتين عن الفعل ذاته. ومن جهة أخرى، تضمّنت الاتفاقية حظراً على أي سجين جرى نقله من دخول الدولة مُصدِرة الحكم مجدداً إلا بإذن من المدعي العام لتلك الدولة، حتى بعد انتهاء تنفيذ العقوبة.
ويُستخلص مما سبق أن عملية نقل السجناء لا تُعد إفراجاً عنهم، وإنما هي نقل إلى بلدانهم لاستكمال تنفيذ ما تبقى من عقوبتهم. وعليه، تلتزم الدولة التي سيُنقل إليها المحكوم بضمان هذا الالتزام وعدم الإفراج عنه إلا عند انقضاء عقوبته.
وقد بلغ عدد السجناء السوريين في السجون اللبنانية عام 2025 نحو 1777 من أصل 6500 سجين، أي ما يزيد على ربع إجمالي السجناء (27%), حيث توزعت نسبهم على النحو التالي: 1076 موقوفاً (60%)، و356 محكوماً عليه (20%)، و342 في وضع مزدوج بين التوقيف والحكم في آن معاً (20%).[35] وبالتالي فإن المشمولين حالياً بالاتفاقية هم الشريحة الأصغر من بين السجناء السوريين أي فقط 20% منهم.
وعلى الصعيد التطبيقي، شرعت السلطات اللبنانية بالفعل في تنفيذ الاتفاقية على دفعتين حتى تاريخه. فقد نُفّذت الدفعة الأولى في آذار/مارس 2026، وشملت نحو 140 سجيناً جرى تجميعهم من سجون رومية والقبة وزحلة وجب جنين وحلبا والوروار، تولّى الأمن العام اللبناني نقلهم إلى الحدود السورية. ثم تلتها الدفعة الثانية في حزيران/يونيو 2026، وشملت 128 سجيناً إضافياً. وبذلك يكون قد جرى حتى الآن تسليم نحو 268 سجيناً سورياً من أصل الـ300 المستهدفين بموجب الاتفاقية، أي ما يقارب 90% من الفئة المشمولة بها.
غير أن هذا التنفيذ، على أهميته، يؤكد عملياً ما خلصت إليه هذه الورقة نظرياً: فحتى بافتراض إتمام تسليم كامل الحصة المتبقية، فإن الأثر على واقع الاكتظاظ في السجون اللبنانية يبقى محدوداً وهامشياً، لكونه لا يطال سوى الشريحة الأصغر (20%) من السجناء السوريين، بينما تبقى الغالبية الساحقة منهم أي الموقوفون احتياطياً (60%) ومزدوجو الوضع (20%) خارج نطاق الاتفاقية تماماً، رهينة بطء المحاكمات وتراكم الملفات العالقة أمام القضاء اللبناني.
ويعني ذلك، من حيث المبدأ، أن تسليم هؤلاء المحكوم عليهم لن يُحدث الأثر المأمول في واقع السجون اللبنانية. فحتى لو تم تسليمهم جميعًا خلال فترة زمنية قصيرة، ستبقى مشكلة الاكتظاظ قائمة، وستستمر معها المشكلات المرتبطة بها، وفي مقدمتها تدهور مستوى النظافة العامة، وعدم كفاية الغذاء والمياه الصالحة، والنقص في مستلزمات النظافة الشخصية. ويعود ذلك إلى أن السجون اللبنانية تعمل حاليًا بما يفوق طاقتها الاستيعابية بكثير، فضلًا عن معاناتها من نقص مزمن في التمويل، شأنها شأن العديد من الإدارات العامة في لبنان، الأمر الذي يجعل معالجة هذه الأوضاع تتطلب إصلاحات هيكلية تتجاوز مجرد خفض أعداد النزلاء.
كما أنه يجب التنبّه إلى أن الاكتظاظ ليس السبب الوحيد وراء أزمة السجون في لبنان، وبالتالي لا يمكن التعويل على نقل السجناء السوريين لحل جميع الانتهاكات المرتكبة داخل السجون اللبنانية. فالتعذيب والمعاملة المهينة والتوقيفات التعسفية ومخالفات حق المحاكمة العادلة لا تُردّ إلى مشكلة الاكتظاظ وحدها، وإنما تستدعي وضع خطط جادة والعمل على تنفيذها وتطبيق القوانين المرعية دون إبطاء.
وبالمقابل، وبحسب التقارير الواردة من داخل سوريا، فإن انتقال السجناء السوريين من السجون اللبنانية إلى السجون السورية لا يعني بالضرورة انتهاء معاناتهم. لذا يجب على منظمات المجتمع المدني المحلية والدولية أن تولي أوضاع السجون السورية اهتماماً بالغاً والعمل على تحسينها لضمان حقوق السجناء الإنسانية، والتأكد من مطابقتها للمعايير الدولية، وإلا نكون قد نقلنا المشكلة من بلد إلى آخر دون معالجة جذرية له.
ويكشف هذا الواقع أن اتفاقية نقل المحكومين، على أهميتها الرمزية، لا يمكن أن تكون بديلاً عن معالجة جذر الأزمة، أي التوقيف الاحتياطي المطوّل الذي يطال الغالبية الساحقة من السجناء، سوريين كانوا أم لبنانيين. فمن أصل نحو 6500 سجين في لبنان، لا تزال نسبة تقارب 82-83% منهم موقوفين دون محاكمة، وهي الفئة التي تبقى، رغم كل الاتفاقيات الثنائية، بلا أي أفق قانوني حقيقي لإنهاء معاناتها سوى عبر إصلاح جذري لبطء المنظومة القضائية أو عبر إجراء استثنائي كالعفو العام.
وقد بدا قانون العفو العام، الذي أقرّه مجلس النواب اللبناني في 12 آب/أغسطس 2026، الحل الأقرب والأكثر واقعية لإنهاء هذا الاحتجاز التعسفي الممتد الذي تعجز المحاكم عن حسمه في المدى المنظور، لا سيما أنه يطال آلاف الموقوفين الذين تجاوزت مدة احتجازهم سنوات طويلة دون صدور أي حكم بحقهم. إلا أن إقدام المجلس الدستوري في 10 أيلول/سبتمبر 2026 على تعليق العمل بهذا القانون، إثر طعن نيابي، أعاد آلاف الموقوفين إلى نقطة الصفر، وأطال أمد معاناتهم في ظل الاكتظاظ وتردي الأوضاع الصحية الموصوفة في الأقسام السابقة من هذا التقرير .
ومن هنا، فإن الهدف من هذا التقرير لا يقتصر على توثيق واقع الانتهاكات المستمرة في السجون اللبنانية، بل يمتد إلى التشديد على أن تعليق قانون العفو العام لا يخدم سوى إطالة أمد أزمة إنسانية وقانونية متفاقمة، وأن إقراره وتفعيله دون مزيد من التأخير يبقى الخطوة الأكثر إلحاحاً وواقعية لإنهاء معاناة آلاف الموقوفين الذين حُرموا من أبسط حقوقهم في محاكمة عادلة وسريعة.
الخاتمة والتوصيات
إن وضع السجون في لبنان، بما فيها أماكن الاحتجاز الاحتياطي، لا يرقى إلى أيٍّ من الوظائف النبيلة التي ينبغي أن تؤديها المؤسسات العقابية. فقياساً على “القواعد الدنيا لمعاملة السجناء” الصادرة عن الأمم المتحدة، يمكن وصف أوضاع السجون بأنها تتأرجح بين السيئ والسيئ جداً واللاإنساني. بل إن الإقامة في عدد من السجون اللبنانية باتت في حد ذاتها ضرباً من ضروب التعذيب والمعاملة القاسية واللاإنسانية.
لذا، يجب البدء بمعالجة أخطر مشكلة تعاني منها السجون اللبنانية، وهي الاكتظاظ غير الطبيعي، لا سيما في ما يخص الموقوفين احتياطياً؛ إذ بلغت نسبة الموقوفين داخل السجون والنظارات من مختلف الجنسيات نحو 55.7% من السجناء بعدد يبلغ حوالي 3533 موقوفاً، مقابل 2809 محكوماً عليه أي بنسبة 44.2%، وفق أرقام وزارة العدل اللبنانية. وبالتالي يجب الإسراع في إنجاز التحقيقات والمحاكمات من قبل القضاة والمحاكم المختصة والعمل على حسن احترام أصول وشروط التوقيف الاحتياطي، لا سيما تلك المنصوص عليها في المادة 107 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
إن محاكمة الموقوفين والإفراج عمّن يستحق الإفراج منهم سيُؤثر حتماً في الوضع الصحي والنفسي اللاإنساني داخل السجون اللبنانية، وسيُسهم في معالجة ظاهرة الاعتقالات والتوقيفات التعسفية التي طالت هؤلاء ولا سيما اللاجئين السوريين منهم، كونهم الحلقة الأضعف في لبنان في المرحلة السابقة التي أعقبت سقوط النظام السوري.
ومن أبرز الأسباب التي أدت إلى التأخر في معالجة انتهاكات حقوق الإنسان في السجون اللبنانية، والتي يعاني منها بطبيعة الحال اللاجئ السوري المسجون، غياب الإرادة الجدية للإصلاح على مدى عقود طويلة، وعدم اعتبار تحسين وضع السجون من الأولويات، وما يترتب على ذلك من غياب الخطط والسياسات التشريعية والقضائية والإدارية والمالية الواضحة اللازمة لتحقيق ذلك. وهو ما يتعيّن على السلطات المعنية التشريعية والتنفيذية والقضائية العمل على معالجته، لكي يتوافق واقع السجون مع متطلبات القواعد الدنيا والسياسات الجنائية الحديثة، وتتحوّل السجون من أداة عقاب وحسب إلى أداة عدالة وأماكن إصلاح وتأهيل.
فضلاً عن ذلك، يجب تفعيل آليات الرقابة على العناصر الأمنية للتحقق من مدى تطبيقهم للقوانين اللبنانية والدولية الملزِمة لهم، احتراماً للحقوق الأساسية للأفراد، وبخاصة التشدد في معاقبة من يخالف القوانين المناهضة للتعذيب. فاحترام كرامة الإنسان، حتى وإن كان سجيناً، قاعدةٌ لا يجوز التهاون في تطبيقها ولا بد من محاسبة منتهكيها.
وفي هذا السياق، شكّل إقرار مجلس النواب اللبناني قانون العفو العام في 12 آب/أغسطس 2026 فرصة استثنائية ونادرة لمعالجة جذرية وسريعة لأزمة الاكتظاظ والتوقيف الاحتياطي المطوّل الموصوفة في هذه الورقة، بعد أن أثبتت الحلول الجزئية الأخرى، وفي مقدمتها اتفاقية نقل المحكومين السوريين الموقّعة مع دمشق في 6 شباط/فبراير 2026، محدودية أثرها؛ إذ لم تطل هذه الاتفاقية سوى فئة صغيرة من السجناء (المحكومون)، تاركةً الغالبية الساحقة من الموقوفين احتياطياً، سوريين ولبنانيين على حد سواء، خارج أي أفق قانوني للإفراج عنهم أو الإسراع في محاكمتهم. غير أن إقدام المجلس الدستوري في 10 أيلول/سبتمبر 2026 على تعليق العمل بقانون العفو، إثر طعن نيابي، جاء ليُبدّد هذا الأمل ويُعيد آلاف الموقوفين إلى دائرة المعاناة ذاتها، في وقت تشهد فيه السجون اللبنانية، وعلى رأسها سجن رومية، تصاعداً في حالات الوفاة والاحتجاجات وأعمال الشغب والإضرابات عن الطعام، وهي جميعها مؤشرات صريحة على أن استمرار تعليق هذا القانون لا يعني تجميد الوضع القائم فحسب، بل يُفاقمه فعلياً ويُعرّض حياة آلاف المحتجزين لخطر مباشر.
ومن هنا، فإن أي معالجة جادة لملف السجون في لبنان تستوجب إعادة النظر فوراً في قرار تعليق قانون العفو العام وإقراره وتفعيله دون مزيد من التأخير، بوصفه الخطوة الأكثر إلحاحاً وواقعية، وإن لم تكن كافية وحدها، لإنهاء معاناة الغالبية الساحقة من نزلاء السجون اللبنانية.
وعليه، يوصي مركز وصول لحقوق الإنسان بما يلي:
أولاً: الحكومة اللبنانية:
- إعادة النظر في قرار المجلس الدستوري القاضي بتعليق العمل بقانون العفو العام، والعمل على إقراره وتفعيله في أسرع وقت ممكن، بما يضمن الإفراج عن الموقوفين الذين تجاوزت مدة احتجازهم الحدود القانونية والمعقولة دون محاكمة.
- الإسراع في استكمال تنفيذ اتفاقية نقل المحكومين السوريين الموقّعة مع سوريا في 6 شباط 2026، مع التأكيد على ضرورة عدم اعتبارها بديلاً عن معالجة وضع الموقوفين احتياطياً، الذين يُشكّلون الشريحة الأكبر من السجناء السوريين والغالبية الساحقة من نزلاء السجون اللبنانية عموماً.
- كف الأجهزة الأمنية عن ملاحقة اللاجئين السوريين دون مسوّغات قانونية ودون التقيّد بإجراءات المحاكمة العادلة، ووقف الاعتقالات التعسفية، وضمان حماية اللاجئين من أي مخاطر أمنية.
- وقف جميع الاعتداءات والمداهمات الأمنية والانتهاكات التي تستهدف مخيمات ومنازل اللاجئين السوريين.
- إنصاف ضحايا التعذيب والاعتقال القسري، ووضع حد للإفلات من العقاب، ومحاسبة المسؤولين عن حوادث الوفاة والتعذيب داخل أماكن الاحتجاز وإحالتهم إلى القضاء المختص وفق القوانين والتشريعات ذات الصلة.
- إصدار تشريع يُكرّس مشاركة منظمات حقوق الإنسان في عملية وضع السياسات المرتبطة بالمحتجزين والسجناء اللاجئين والأجانب.
- الحد من محاكمة اللاجئين المدنيين في المحاكم العسكرية، ومراقبة مدى التزام القضاة بمعايير المحاكمة العادلة.
- توفير حق المحتجزين في الإبلاغ بأسباب احتجازهم، وفي الاتصال بذويهم وطلب الاستشارة القانونية.
- ضمان توفير مقومات الحياة الأساسية في السجون من بيئة نظيفة ومياه صالحة ورعاية طبية دورية.
ثانياً: المجتمع الدولي والجهات المانحة:
• وضع آلية رقابة قانونية مستقلة بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني لتقييم تدخلات لبنان وكيفية توزيعه للأموال، لضمان حقوق المحتجزين والسجناء اللاجئين وتأمين الظروف الإنسانية اللائقة لهم أثناء احتجازهم أو سجنهم.
• المساهمة في الضغط على لبنان للتقيّد بالقوانين المحلية والاتفاقيات الدولية المرتبطة بمعاملة السجناء بصورة إنسانية ومنع التعذيب، والمناصرة في القضايا المرتبطة بانتهاكات ضحايا الاعتقال التعسفي والتعذيب.
[1] نبذة عن الاحتجاز التعسفي https://www.ohchr.org/ar/about-arbitrary-detention
[2] مقدمة الدستور اللبناني فقرة (ب).
[3] المادة 47(2) أصول المحاكمات الجزائية: يحظر عليهم احتجاز المشتبه فيه في نظاراتهم إلا بقرار من النيابة العامة وضمن مدة لا تزيد على ثماني واربعين ساعة. يمكن تمديدها مدة مماثلة فقط بناء على موافقة النيابة العامة.
[4] المادة 367 قانون العقوبات اللبناني: ﻛﻞ ﻣﻮظﻒ أوﻗﻒ أو ﺣﺒﺲ ﺷﺨﺼﺎ ﻓﻲ ﻏﯿﺮ اﻟﺤﺎﻻت اﻟﺘﻲ ﯾﻨﺺ ﻋﻠﯿﮭﺎ اﻟﻘﺎﻧﻮن ﯾﻌﺎﻗﺐ ﺑﺎﻻﺷﻐﺎل اﻟﺸﺎﻗﺔ اﻟﻤﻮﻗﺘﺔ.
[5] منظمة العفو الدولية، “كم تمنيت أن أموت”، 2021، https://bit.ly/3u2lmCl
[6] الشَّبكة السورية لحقوق اإلنسان تدعو الحكومتين السورية واللبنانية إلى تحرك عاجل إلنهاء معاناة المعتقلين السوريين في لبنان, 18 شباط 2025 https://snhr.org/arabic/wp-content/uploads/sites/2/2025/02/S250209A.pdf
[7] من بينها اتفاقية مناهضة التعذيب التي صادق عليها لبنان في العام 2000 والبروتوكول الاختياري الملحق بها في العام 2008.
[8] هيومن رايتس ووتش، “هذا ليس مكاننا” محاكمات المدنيين أمام المحاكم العسكرية في لبنان، 2017، https://bit.ly/384DaUA
[9] المادة 37 من اتفاقية حقوق الطفل التي وقع عليها لبنان في عام 1991.
[10] إرشادات ومبادئ توجيهية, تم اعتمادها من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2015.
[11] التقرير السنوي للهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمنة لجنة الوقاية من التعذيب للعام 2025 https://nhrclb.org/archives/6386
[12] منظمة هيومن رايتس ووتش، «هذا جزء من العمل»: سوء المعاملة والتعذيب الذي تتعرض له الفئات الضعيفة في مراكز الشرطة اللبنانية, Human Rights Watch, “It’s Part of the Job’ Ill-Treatment and Torture of Vulnerable Groups in Lebanese Police Stations https://bit.ly/36FtVtL
[13] انضم اليه لبنان بتاريخ 3 تشرين الثاني من العام 1972, حيث يؤكد على حقوق السجناء في معاملة انسانية وتجريم التعذيب.
[14] شارك لبنان في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان, وقد نص عليه في مقدمة الدستور فقرة (ب), وبالتالي فهو ملزم به وإن لم يكن معاهدة بالمعنى التقليدي أي لا يمكن التوقيع عليه بالمعنى التقليدي للمعاهدات.
[15] المادة 107 أ.م.ج: يستجوب قاضي التحقيق في الحال المدعى عليه المطلوب بورقة دعوة, اما المدعى عليه الذي أحضر بمذكرة إحضار, فيستجوبه خلال أربع وعشرين ساعة من وقت تنفيذ مذكرة الإحضار في حقه. اذا استمر احتجازه اكثر من اربع وعشرين ساعة دون ان يحضر الى النائب العام فيعد هذا التوقيف عملا تعسفيا ويلاحق الموظف المسؤول عنه بجريمة حرمان الحرية الشخصية. بعد أن يستجوب قاضي التحقيق المدعى عليه, ويستطلع رأي النيابة العامة, يمكنه أن يصدر قرارا بتوقيفه شرط ان يكون الجرم المسند اليه معاقبا عليه بالحبس أكثر من سنة. يجب أن يكون قرار التوقيف معللا وأن يبين فيه قاضي التحقيق الأسباب الواقعية والمادية التي اعتمدها لإصدار قراره.
[16] المادة 178 أ.م.ج: تجري المحاكمة بصورة علنية وشفاهية وإلا كانت باطلة ما لم يقرر القاضي المنفرد اجراءها سرا بداعي المحافظة على النظام العام او الاخلاق العامة.
[17] منظمة العفو الدولية، 2021، ”كم تمنيت أن أموت”، https://bit.ly/3u2lmCl
[18] المفكرة القانونية, “ادارة التوقيف الاحتياطي” تحديات ما بعد الأزمة في لبنان أيلول 2024, https://legal-agenda.com/wp-content/uploads/2025/02/Pre-Trial-Detention-Study-2.pdf
[19] مجلس النواب اللبناني 23-E-السجون, https://www.lp.gov.lb/ContentRecordDetails?Id=13699
[20] مديرية السجون في وزارة العدل, https://pa.justice.gov.lb/pa_stat.php
[21] اللجنة البرلمانية لحقوق الإنسان، «خطة العمل الوطنية لحقوق الإنسان في لبنان»
The Parliamentary Human Rights Committee, “The National Action Plan for Human Rights in Lebanon,” 2013, https://bit.ly/3K7v7o0
[22] رصد انتهاكات حقوق الإنسان في أماكن الاحتجاز في لبنان: الحرمان من كل شيء, 16 اب 2024, https://nhrclb.org/archives/1744
[23] مجلة «ذا نيو هيومانيتاريان»: «السجون المكتظة وسوء إدارتها تؤدي إلى تجريم الجانحين الشباب»
The New Humanitarian, “Overcrowded and Mismanaged Prisons Criminalising Young Offenders,” 25 March 2007, https://bit.ly/3ND9pdK.
[24] منظمة «كاتارسيس لبنان»، «الصحة النفسية في السجون اللبنانية: دراسة حول انتشار الأمراض النفسية الحادة بين نزلاء سجني رومية وبعبدا»
Catharsis Lebanon, “Mental Health in Lebanese Prisons Prevalence Study of Severe Mental Illness among Inmates in Roumieh and Baabda Prisons,” 2015, https://bit.ly/3JZFPgs.
[25]منظمة «كاتارسيس لبنان»، «الصحة النفسية في السجون اللبنانية: دراسة حول انتشار الأمراض النفسية الحادة بين نزلاء سجني رومية وبعبدا»
Catharsis Lebanon, “Mental Health in Lebanese Prisons Prevalence Study of Severe Mental Illness among Inmates in Roumieh and Baabda Prisons,” 2015, https://bit.ly/3JZFPgs.
[26] المادة 3 فقرة 1(ب) من اتفاقية التعاون القضائيّ بين لبنان وسوريا 6 شباط 2026.
[27] المادة 3 فقرة 1(د) من اتفاقية التعاون القضائيّ بين لبنان وسوريا 6 شباط 2026.
[28] المادة 3 فقرة 1(ب) من اتفاقية التعاون القضائيّ بين لبنان وسوريا 6 شباط 2026.
[29] المادة 3 فقرة 1(ه) من اتفاقية التعاون القضائيّ بين لبنان وسوريا 6 شباط 2026.
[30] المادة 2 فقرة 3 من اتفاقية التعاون القضائيّ بين لبنان وسوريا 6 شباط 2026.
[31] المادة 3 فقرة 1(أ) من اتفاقية التعاون القضائيّ بين لبنان وسوريا 6 شباط 2026.
[32] المادة 3 فقرة 1(ج) من اتفاقية التعاون القضائيّ بين لبنان وسوريا 6 شباط 2026.
[33] المادة 3 فقرة 2(أ,ب,ج) من اتفاقية التعاون القضائيّ بين لبنان وسوريا 6 شباط 2026.
[34] المادة 10 من اتفاقية التعاون القضائيّ بين لبنان وسوريا 6 شباط 2026.
[35] تسليم سجناء سوريين من لبنان إلى سورية: ماذا تتضمّن اتفاقية نقل المحكوم عليهم؟ https://legal–agenda.com/تسليم–سجناء–سوريين–من–لبنان–إلى–سورية–م/