الاثنين 12 أكتوبر 2026
بيروت / باريس
يرحّب مركز وصول لحقوق الإنسان بقرار المجلس الدستوري اللبناني الصادر اليوم، الذي ردّ الطعن المقدَّم بقانون العفو العام رقم 70/2026، مع إبطال جزئي لبعض العبارات وإدخال تحفظات تفسيرية ملزمة، وتوحيد الحد الزمني للجرائم المشمولة بالعفو عند الأول من آذار 2026. يُنهي هذا القرار حالة التعليق التي بدأت في العاشر من أيلول 2026، ويفتح الطريق أمام وضع القانون موضع التنفيذ.
من الناحية القانونية، يؤكد القرار أن منح العفو العام من صلاحيات مجلس النواب وفق المادة 53 من الدستور. وبما أن قرارات المجلس الدستوري ملزمة لجميع المراجع القضائية والإدارية، فإن التحفظات التفسيرية تُلزم القضاة بالإطار الذي رسمه المجلس، الأمر الذي يحدّ من التفاوت في التطبيق ويعزز الأمن القانوني والمساواة أمام القانون. كما أن توحيد الحد الزمني يوضّح نطاق الجرائم المشمولة ويُغلق الباب أمام الاجتهادات المتضاربة.
وفيما يتعلق باللاجئين السوريين الموقوفين، فإن هذا القرار يحمل أهمية خاصة، فقد وثّقنا في تقرير “سوريون في سجون لبنانية.. معاناة لا تنتهي” التي نُشرت مؤخرًا، واقعًا لا يحتمل التأجيل حيث بلغ عدد السجناء السوريين في لبنان نحو 1777 سجينًا من أصل 6500 عام 2025، أي أكثر من ربع الإجمالي، وكان ستون في المئة منهم موقوفين دون محاكمة، وعشرون في المئة في وضع مزدوج بين التوقيف والحكم. ورصد المركز 1,353 حالة توقيف تعسفي عام 2025، إضافة إلى 3,072 واقعة سوء معاملة ووقائع تعذيب. ويضاف إلى ذلك اكتظاظ تجاوز في بعض السجون ثلاثة أضعاف الطاقة الاستيعابية، ونقص حاد في الرعاية الطبية والغذاء والنظافة. كما انه بعد تعليق القانون، سُجّلت وفيات بين الموقوفين، من بينها وفاة موقوف سوري بعد 44 شهرًا من التوقيف دون محاكمة، وشهدت السجون احتجاجات وإضرابات عن الطعام، وهو ما يؤكد أن التأخير في الإصلاح التشريعي يدفع ثمنه المحتجزون بأجسادهم وحياتهم.
ويأتي هذا القرار اليوم ليستكمل ما تركته اتفاقية نقل المحكومين ناقصًا، إذ بيّنا في التقرير أن الاتفاقية الموقّعة مع سوريا في شباط 2026، على أهميتها، لا تشمل سوى الشريحة الأصغر من السجناء السوريين، أي المحكومين الذين يشكّلون نحو 20% منهم، فيما لا تطال الغالبية الساحقة من الموقوفين احتياطيًا. من هنا، يشكّل تطبيق هذا القرار خطوة أساسية لمعالجة هذا النقص، وإنهاء احتجاز طال من دون محاكمة.
يشدد مركز وصول لحقوق الإنسان (ACHR) أنّ ضمان الحقوق مرهونة بحسن التطبيق، فقيمة هذا القرار تُقاس بما يتحقق فعلًا داخل السجون ومراكز التوقيف. لذلك ندعو السلطات اللبنانية إلى المباشرة الفورية بتحديد المستفيدين والإفراج عنهم من دون إبطاء، عبر آلية واضحة وشفافة، وإلى تطبيق القانون على أساس الجرم المنسوب فقط، لا على أساس الجنسية أو الوضع القانوني، حتى لا يُستثنى اللاجئون السوريون من أثره عمليًا. كما نشدد على وجوب احترام مبدأ عدم الإعادة القسرية والتزامات لبنان بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب. ونطالب كذلك بمعالجة جذر الأزمة عبر الحد من التوقيف الاحتياطي وتطبيق القانون 65/2017 الذي يجرّم التعذيب ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وحوادث الوفاة في أماكن الاحتجاز. ونؤكد أهمية إشراك منظمات المجتمع المدني في متابعة التنفيذ، ودعوة المجتمع الدولي والجهات المانحة إلى دعم آلية رقابة مستقلة في هذا الشأن.
سنواصل في مركز وصول لحقوق الانسان رصد التطبيق وتوثيقه، ونؤكد أن إنهاء معاناة الموقوفين لا يكتمل إلا بإصلاح شامل يحمي كرامة كل محتجز، مواطنًا كان أم لاجئًا.